الثلاثاء، ٢ يناير ٢٠٠٧

ص 10 الذئب ـ قصة قصيرة ل محمود البدوى

الذئب
قصة محمود البدوى



ظهر الذئب فجأة فى قرية " تل عمران " فروع أهلها .. وشل حركة الفلاحين فى المزارع .. وبساتين النخيل ..

وجعلهم يوقدون النيران فى أطراف الحقول .. ويطلقون البهائم من قيودها .. ويحبسون الأطفال فى المنازل من الغروب .. وأخذ الرجال الأشداء يهاجمونه عند سفح الجبل وفى المغاور وفى الأماكن التى يتصورون أنه رابض فيها .. وأطلقوا عليه ..

أطلقوا علية أكثر من الف طلقة من كل أنواع البنادق والمدافع الرشاشة ..

ولكنه كان يمرق كالسهم .. ويلف كالثعبان ويثب وثبة الأسد .. ويزوغ بين الكهوف كالثعلب ..

وكانوا يرون عينيه تقدحان بالشرر .. بعد كل قتال ينشب بينه وبينهم فيعرفون أنه حى .. وأن جهودهم ذهبت هباء ..

***

ومرت سنة وسنة مثلها .. والفلاحون يرون الذئب على حدود القرية .. وأصبح الذئب أسطورة .. ثم نسوه فترة من الزمان .. ولكنه عاد واحتل تفكيرهم .. فقد نهش فخذ طفل .. وهاجم رجلا حتى صرعه ..

فتجمع الفلاحون لمقاتلة هذا الوحش .. وخرجوا فى تجمعات لمحاصرته والقضاء عليه ..

***

ولكنه كان لايعبأ بشىء من هذا كله .. وكان لايثنيه أمر عن فريسته .. وأصبحت حوادثه .. وتحركاته فى قلب الليل تدور على السنة الفلاحين فى القرى والنجوع ..

***

وكان أهل القرية يبيعون الملح ويزرعون الشعير على ماء الأمطار .. فى رقعة صغيرة عند سفح الجبل .. وكانت هذه الرقعة لاتكفيهم .. ولا تقوم بأودهم .. فكانوا يتصارعون على الحياة ويقتتلون ..

وكترت حوادث السطو والنهب والأخذ بالثأر فى الطرقات والممرات الجبلية .. وندر أن يمر اسبوع دون أن تقع هناك حادثة مروعة ..

***

وفى ليلة حالكة قتل الشيخ " تغيان " من زراع القرية وكان عائدا من البندر .. وطير الخبر إلى المركز ..

وعرف اسم قاتله نعمان .. وكان فاتكا شديد البطش .. وبينه وبين القتيل خصومة قديمة ..

وخرج المأمور على رأس فصيلة من الجند .. لتحقيق الحــادث وللقبــض على الجانى قبـل أن يهرب فى دروب الجبل ..

ولما بلغ المأمور حدود القرية .. وجد أهلها على الجسر يبحثون عن شىء آخر .. عن غلام .. خرج بالبهائم إلى الحقل .. وعادت البهائم بدونه فتوجسوا شرا من الذئب .. وقالوا انه التقى به وأكله ..

وخرجت أمه تصرخ وتلطم خديها .. وخرج على صراخها الفلاحون بهراواتهم وبنادقهم إلى المزارع .. وأصبح المأمور أمام حادثة جديدة فانطلق يطارد القاتل .. ويبحث عن جثة الغلام ..

***

ولم يكتف الأهالى بهذا فاجتمع عند دوار " العمدة " حشد كبير من الناس .. وانطلقوا جميعا يبحثون عن الغلام فى كل مكان ..

***

وبعد ساعات عادت كل هذه الجموع أمام " الدوار " بخفى حنين .

وكانت أم الغلام تصرخ وتولول وأبوه يبكى .. وكل حاضر من هذه الجموع يصرخ فى أعماقه ويشعر بالانكسار .. لأن الحيوان تغلب على الإنسان وبطش به ..

ولما لم يعثروا على أى أثر للغلام .. سرت اشاعة مسرى النار فى الهشيم بأن الذئب أكل عظام الغلام ولحمه .. فخيم الحزن على النفوس ولطمت الأم خديها وتحولت القرية إلى مناحة .

وفى الساعة العاشرة ليلا سمع العمدة طلق النار بشدة .. واهتز الجو من الرصاص ونبحت الكلاب .. وتمنى العمدة فى هذه اللحظة أن تكون الداورية قد التقت بالذئب .. والتقت بالقاتل فصرعتهما .. معا .. ليستريح رجال الأمن من كل المتاعب .

وسمع بعد قليل أن الضربة كانت موجهة إلى الذئب .. وأن أحد الفلاحين صرعه عند التل فأرداه .. فتنفس العمدة الصعداء .. وخرج ليقابل الرجال الشجعان ..

ورأى جموعهم تقترب فى الظلام وهى تجر شيئا على الأرض ولما اقتربوا من النور أدركوا أن الظلام خدعهم .. وأنهم قتلوا كلبا .. من كلاب القرية ..

***

وأصبح أمل الأم بعد هذا أن يبحث لها العمدة عن عظام ابنها .. لتلقى عليه نظرة أخيرة .. وهى راضخة لحكم الله ..

***

ومع نور الفجر .. ظهر شىء يتحرك على الجسر ..
ظهر نعمان .. يحمل الغلام المفقود .. وكان الغلام بادى الاعياء من الدم الذى نزف منه .. وظهر من خلال ثوبه الممزق أسنان الحيوان فى لحمه ..

وكان نعمان ساكن الجنان ويمشى مشية من لايروعه أى شىء فى الحياة ..

وكانت بندقيته فى كتفه .. ولكنه ثنى مسورتها إلى الأرض .. وقبل أن يقترب من الرجال توقف .. ورأى سيارة البوليس من بعيد وحولها الجند .. فتسمر فى مكانه لحظات وانتفض جسمه وانتفخ وريده .. وهو ينظر إلى الغلام على صدره .. وقد شل جسمه عن الحركة ..

ثم تقدم .. صامتا .. وعيون الرجال والجنود مسلطة عليه .. حتى وضع الغلام على صدر أمه ..

وجفت القلوب .. وتحركت الأيدى على البنادق .. ولكن نعمان لم يحرك يده .. واستدار واتجه إلى سيارة البوليس الواقفة على الجسر .. وسلم سلاحه إلى الجندى الواقف هناك .. ثم ركب من الخلف ..

***

وأحس المأمور بأن شيئا يضغط على عنقه كأنه يخنقه .. فحرك رباط عنقه ثم تقدم نحو السيارة وصاح فى السائق .

ودار الموتور .. وانطلقت السيارة تحمل نعمان من الخلف .. مطوقا بالعساكر .

وفى الأمام جلس المأمور ومعه المعاون .. بجانب السائق .

وأخذ نور الصبح .. يشعشع ووضحت الرؤية وأسرعت السيارة تطوى الأرض طيا .. وفى أحد المنحنيات لمح المعــاون .. شيئا مكوما على الرمال .. وحوله خيوط من الدم ..

فقال للمأمور :
ـ انه هناك ..
ـ من ..؟
ـ الذئب ..

ورفع المأمور رأسه ونظر إلى هناك ثم رد بصره من خلال النافذة الصغيرة إلى الرجل الجالس فى الخلف .. فوجده قـد نكس رأسه وأطرق وعينه إلى الأرض .. التى تجرى تحته .
=================================
نشرت القصة بصحيفة الشعب المصرية فى 941957 وأعيد نشرها فى مجموعة " الزلة الأولى " لمحمود البدوى عام 1959
=================================


ص 9 الفرقة الأجنبية ـ قصة قصيرة ل محمود البدوى

الفرقة الأجنبية
قصة محمود البدوى


قبل سنوات كان الفلاحون فى الريف يحسون بالفراغ .. ولم تكن فى معظم عواصم المديريات دار واحدة للسينما .. ولاشىء للتسلية واللهو .. وكانت كل هذه الأشياء مركزة ومجمعة فى القاهرة .. فإذا حدث ورحلت فرقة تمثيلية صغيرة .. من قلب العاصمة وحطت رحالها فى مدينة .. المنيا .. أو سوهاج .. استقبلها الناس بحرارة لاحد لها .. حتى وإن كانت من أحط الفرق الجوالة على الاطلاق ..

وكان الخواجه " اسناسيو " يملك فندقا كبيرا فى مدينة أسيوط مجاورا للمحطة .. وفى هذه المنطقة تتجمع كل الفنادق والمقاهى التى فى المدينة .. ويشتد بينها الصراع ..

وكان الخواجه " اسناسيو " يعمل بعقل ذكى على راحة النزلاء ويجدد فى الفندق ويبتكر وسائل للتسلية ، فكان فندقه من أشهر وأحسن الفنادق فى المدينة ..

ويستيقظ نزلاء الفندق ذات صباح على صوت أنثى .. تتكلم باللهجة " المصرية " الناعمة وتضحك وفى يدها السيجارة .. ويرون القميص الذى يضم صدرها ينشق عن مثل المرمر .. والساق منثنية إلى جانب وعارية .. فيعرفون فى الحال أن فرقة أجنبية جاءت من القاهرة فى قطار الليل ..

وتكون الفرقة فى الغالب مغمورة وقضت فى العاصمة .. ستة أشهر على الأقل فى تعطل مر .. وليس من بين أفرادها اسم واحد رددته الصحف .. ومع هذا كله .. فبعد ساعة من وصولها يتدفق الناس على الفندق كالسيل ..

***

وفى الليل يبدأ عمـل الفرقة .. ويظل الرقص والموسيقى إلى الصباح .. وتأتى وفود العمد والأعيان من ملوى وديروط وكل المراكز البعيدة والقريبة .. ويصبح من المألوف جدا أن تقف عربة كبيرة على باب الفندق .. وترى على رفوفها غبار السفر .. وينزل منها أحد كبار الأعيان .. ويكون ضخما فى الغالب ويرتدى الكاكولة السمراء والقطنية البيضاء ذات الخطوط السوداء الرفيعة .. ويندفع توا إلى الداخل .. وهو يحيى الموجودين .. ثم ينزل بعده ستة من التوابع ، أربعة منهم مسلحون على الأقل .. ويجلس اثنان بالبنادق على الباب .. ويدخل الباقون ..

وتركز عيون الرجال جميعا .. على شىء واحد .. فى الفرقة .. شىء عجيب فى نظرهم .. راقصة .. تركية .. أو شركسية .. أو مصرية أو " منصورية " .. راقصة واحدة تنسيهم رائحة الدريس .. وعليـها يدور الصراع .. وتدور الكئوس .. وتفرغ زجاجات الشمبانيا .. وتحرق أوراق البنكنوت من كل الأحجام .. لإشعال سيجارة لها .. وتكون هى فى الغالب لاتدخن على الاطلاق ..

كانوا يبيعون القطن وينثرون ذهبه تحت أقدام الغوانى والراقصات ومن ورائهم يزحف بنك الأراضى والبنك العقارى ناشبا مخالبه ..

***

وفى خلال السنوات الأربع التى قضيتها فى فندق " ديانا " لم أشعر بأى ملل على الاطلاق ..

وكنت أول من ينهض من الفراش فى الصباح .. وأنزل إلى حديقة الفندق الصغيرة لأنظر وأشرب القهوة وأطالع الصحف التى وردت فى قطار الليل .. قبل أن أذهب إلى عملى فى تفتيش الرى ..

وذات صباح رأيت شابا نحيفا فى الثالثة والعشرين من عمره قد سبقنى إلى الحديقة .. وجلس يشرب الشاى ، وكانت تبدو عليه الوداعة ، ثم أقبلت فتاة من داخل الفندق وجلست بجانبه .. وأخذت تحادثه بصوت خافت .. ولاحظت أنها شديدة الخجل فبمجرد أن لمحتنى جالسا عن قرب تضرجت وجنتاها .. وكانت بيضاء طويلة وجسمها تبرز تقاطيعه فى تناسق مع الفستان الذى تلبسه .. ولمح الشاب " جارسون " اللوكاندة واقفا هناك على باب الحديقة ، فصاح فيه :
ـ من فضلك .. صحى الجماعة اللى فوق .. جعنا ..
ـ حاضر ..

وبعد نصف ساعة كانت الفرقة كلها تتناول الافطار بجوارى .. وكانوا يتحدثون عن رحلتهم .. فى بنى سويف والمنيا .. ويكثرون من الضحك ويتندرون على الفلاحين البسطاء ..

ولاحظت من وجوههم وهندامهم ، أنهم من فرق الدرجة الثالثة ولكنهم كانوا يضمون إلى مجموعتهم فتاتين من أجمل من رأيت من النساء .. وكان لإحداهن جسم شفاف كالبللور .. ينثنى ويلف كالخيرزان ..

***

وفى الساعة الحادية عشرة صباحا ، رأى الناس الموسيقى فى المدينة لأول مرة تعلن قدوم الفرقة .. وكان على رأسها " بلياتشو يلبس طرطورا " .. ويرقص ـ وهو سائر ـ حاجبيه .. ويكتفى بهذه الحركة عن عمل أى شىء آخر ..

وفى الليل بدأ الغناء ودار الرقص .. ومثلت رواية مضحكة اشترك فيها الجمهور .. وسمعت وأنا جالس فى بهو الفندق الغناء .. ورنين الصاجات .. ونقر الدف .. ولكننى لم أشاهد التمثيلية ، وحوالى الساعة الثانية صباحا انفض السامر .. والتف الأثرياء حول موائد الشراب .. ورأيت جماعة منهم هناك فى زاوية من القاعة .. ومعهم الفتاة التى كانت ترقص فى السامر .. وهى الفتاة التى شاهدتها فى الصباح مع الشاب فى الحديقة .. جلست فى أول الأمر منكمشة خجلى لاتفهم بعض كلماتهم الصعيدية ثم شربت معهم وأكلت وأخذت تضحك ، وجلسوا حولها حلقة يشعلون لها السجائر بأوراق البنكنوت .. وابتدءوا بالجنيه .. والعشرة .. وهم يضحكون .. ولكن اسماعيل " بك " كتم أنفاس الحاضرين فجأة فقد أخرج بهدوء من جيبه ورقة بمائة جنيه .. وأشعل بها السيجارة للفتاة ..

ورأيت دخان الورقة الأزرق .. يصعد إلى خياشيم الفتاة .. ثم رأيت الرماد يسقط على الأرض ..

وفى غمرة الانتصار ونشوته .. وقفت الفتاة منتصبة .. ورأيت عواطفها كلها تذوب .. كأنها تود أن تحتضن الرجل وتقبل وجناته ..

ثم غالبت نفسها وعادت إلى كرسيها وفمها يتموج راقصا بالضحك ..

***

ولما صعدت لأنام سمعت صوت اسماعيل " بك " ورائى .. فقد كان يقيم فى الطابق نفسه .. وفى غرفة مجاورة لغرفتى ..

ولما أدرت الأكرة وحركت الباب .. رأيت على الضوء الخافت ، ضوء سيجارة هناك فى الممر .. فتوقفت ومددت بصرى ، فرأيت الشاب الذى كان فى الصباح يشرب الشاى فى الحديقة .. جالسا هناك فى العتمة .. فى نهاية الممشى كأنه فى انتظار رفيقته ..

وفى عصر اليوم التالى شاهدت من نافذة غرفتى .. الموسيقى عائدة من جولتها فى المدينة .. وكف العزف .. ودخل البلياتشو من باب الفندق وهو ينزع القناع .. ورأيت وجه الشاب رفيق الفتاة الراقصة ..

وقبل الغروب نزل إلى الحديقة .. وكان قد اغتسل ولبس البدلة التى شاهدته فيها فى اليوم الأول .. وحيانى وجلس جانبا يطالع بعض الصحف ..

وسمعت الفتاة الراقصة تناديه من فوق .. وكان مستغرقا فى المطالعة فنبهته .. فرفع وجهه إليها ..
ـ رءوف .. اطلع ..
فهز رأسه .. وعادت تلح وتناديه ..
فطوى صحيفته .. وصعد إليها ..

وعاد بعد فترة وجيزة منفعلا وعلى وجهه الغضب وجلس ساهما على المقعد نفسه .. ونزلت الفتاة بعد قليل .. وكانت متأنقة .. ومتعطرة .. وترتدى رداء محتشما سابغا .. كأنها عذراء من الريف .. وأخذت تحادثه بصوت خافت .. وكأنها تناجيه .. حتى رأيت وجهه يعود إلى هدوئه .. وانفتأ الغضب ..
ثم نهضا .. واتخذا طريق النيل ..

***

وبعد آذان العشاء .. خرجت لأجول فى المدينة .. ولما رجعت إلى الفندق فى الساعة العاشرة مساء .. كان الرقص دائرا فى القاعة الداخلية .. وكان رءوف جالسا وحده .. تحت مدار السلم وقد مال رأسه على صدره .. وتنبه على وقع أقدامى .. فرفع رأسه .. وحدق في مليا ثم سدر ..

وجلست قريبا منه أتعشى وأنا أسمع صوت الأنغام .. ولما دعوته للطعام اعتذر وقال لى :
ـ اعتدت أن أتعشى مع مديحة بعد أن تنتهى من رقصتها وستأتى حالا ..
ولكنها لم تأت ..

وانقضت ساعتان هكذا وهى تضحك مع الرجال فى الداخل .. وهو يسمع ضحكها من مجلسه ويتلون وجهه بكل الألوان .. وقد عجبت من تصرفه وشذوذه ، يصاحب راقصة ثم يغار عليها .. وسمع ضحكة حادة منها فابيض وجهه .. وكان أمامه كوب من الماء .. فرفعه إلى فمه .. ويده ترتعش .. ولا تقوى على حمل الكوب .. ولاحظت .. أن حاجبيه يرقص رقصة واحدة شديدة فى كل خمس .. أو ست ثوان ..

وظل يدخن وينفض الرماد ثم نهض وصعد إلى فراشه ..

وسمعت صياحا .. عاليا .. يأتى من الداخل .. وأزحت الستارة ووقفت أشاهد مديحة وهى ترقص بالصاجات وينثنى جسمها كالثعبان وكانت وسط نفر قليل من الرجال لايزيد على خمسه .. ولم يكن من بينهم اسماعيل بك ..

وكان الدخان يملأ جو المكان .. ومديحة ترقص على نقر خفيف .. للدف .. ولايوجد عود ولاناى .. ودار جسمها دورات ثم أسبلت عينيها وهى تتأوه .. حتى اقتربت من " كنبة " .. فجلست تستريح وحبات العرق تتساقط كاللؤلؤ من جسمها العارى ..

ثم انتصبت وأمسكت بثوبها وهى تقول :
ـ كفاية .. بأه .. أحسن مسافرين بكره .. بدرى ..
وصعدت السلالم وحدها ..

ولما ذهبت لأنام بعد ذلك بنصف ساعة .. وجدت نور الغرفة التى اعتـادت أن تنام فيها مع الشاب مطفأ ولم أسمع صوتا هناك ..! وغفوت .. ثم تنبهت على صوت اسماعيل بك فى الغرفة المجاورة .. ولما رفعت رأسى عن الفراش وجدت فى غرفته ضوءا خفيفا .. وكان الصوت الذى سمعته قد انقطع ولكنه عاد أشبه بالهمس .. فتحركت من فراشى .. وفتحت الباب .. فوجدت بابه مواربا واستطعت أن أرى مديحة وهى ترقص عارية فى زاوية من الغرفة دون صوت وكأنها نائمة واسماعيل بك يتربع أمامها وفى يده الكأس وعيناه نصف مغمضتين والدخان يملأ جو الغرفة ..

وخشيت أن ترانى .. فعدت إلى غرفتى .. وتمددت على السرير ..

***

وفجأة دوت طلقات مزقت السـكون .. وجريت على صوت النار ، فوجدت مديحة ساقطة فى مكانها .. واسماعيل بك .. قد تدحرج بجوارها على الأرض ..

وكان رءوف على الباب .. وفى يده المسدس ..
ولما تناولته منه .. سلمه دون مقاومة ..
ـ لن يقتلونى هنا ويمزقونى .. بالسكاكين ..
ـ لا .. لن يمسك بك أحد حتى يأتى البوليس ..
وأغلقت الباب من الداخل ..
وأمسك بى وأخذ يهذى :
ـ حضرتك محام .. اعمل معروف .. خلصنى .. أنا مريض .. أنها زوجتى .. ولقد تزوجتها وهى راقصة لتكون لى وحدى .. ولم تكن هكذا كانت أشبه بالعذراء .. وقد عملت بلياتشو فى الفرقة .. لأكون معها فى الليل والنهار .. أنا مريض .. مريض بالأعصاب .. ولا أستطيع أن أقوم بأى عمل .. عندما كنت فى بطن أمى .. أتهم والدى فى جريمة قتل وسجن وكان الناس جميعا يعرفون أنه برىء .. ولكنه بقى فى السجن ثلاث سنوات ، ولما صدر الحكم أخيرا بالبراءة .. كان قد ضاع ، وتمزقت أعصاب أمى ، وقد ورثت منها هذه الأعصاب ، أنا غير مسئول ، أنا مريض .. ولن تتركنى .. وحدى .. أنت شاهد .. وأنا مريض .. مسكين ..

وأطرقت برأسى وأنا مدرك أننى لاأستطيع أن أفعل شيئا لهذا الشاب ورحت فى دوامة من الخواطر ، وفى خلال تلك الدوامة خيل إلىَّ أننى أسمع رنين الصاجات .. وأرى جسم مديحة .. الشفاف كالبللور وهو ينثنى ويدور .. برقصة بكر .. وخيل إلىَّ أنها ترقص لى وحدى رقصة جديدة .. لم ترقصها من قبل لإنسان ..

=================================
نشرت القصة بصحيفة الشعب فى 1/2/1957 وأعيد نشرها بجموعة قصص لمحمود البدوى بعنوان " حارس البستان " وفى مجموعة " قصص من القرية" ـ مكتبة مصر
=================================

ص 8 السكين ـ قصة قصيرة ل محمود البدوى

السكين
قصة محمود البدوى

عاد زكى إلى مسقط رأسه بعد غيبة طويلة .. ووجد القرية كما تركها منذ أربعة عشر عاما .. بنخيلها .. وبيوتها السوداء .. وأشجار الجميز الضخمة على الترعة .. لم يتغير شىء من معالمها .. ولم يتطور ، ورأى شيئا واحدا جديدا بجانب السكة .. بناية بيضاء فى الأرض الفضاء الملاصقة للسوق .. ووجد الأطفال يلعبون فى ساحتها .. ولما سمعوا الجرس انطلقوا إلى الفصول ..

وسر زكى لمرآهم .. ونظافة ثيابهم .. وحدث نفسه بأنه جيل جديد ينمو فى الهواء الطلق والشمس .. وليس فى البرك والمستنقعات كما نما هو وشب ..

وشعر برجفة وهو يغوص بنعليه فى التراب .. ويقترب من بيت والده .. وطافت برأسه الذكريات .. حتى تندت عيناه .. وكانت زوجته فوزية تمشى بجواره صامتة .. وتسحب الطفلين وراءها .. وكان هو يحمل سلة وضعوا فيها ملابسهم وبعض أشياء اشتراها لجنازة أبيه .. سجائر وبن ..

ولاحظ وهو يمشى على جسر الترعة .. أنه قد خرج من المحطة ولم يعرفه أحد من الأهالى .. كان يرتدى بدلة سمراء قديمة .. ولكنه حرص على أن تبـدو نظيفة ، فلبس فوقها وهو فى القطار جلابية حتى لا تتسخ ..واشترى لزوجته فستانا جديدا أسود .. ولولديه جلبابين ليبدوا جميعا فى أحسن حال .. ولكن عينيه كانتا تخونانه .. وصفحة وجهه كانت تنطق بالتعاسه .. وتعبر عن مقدار ما يعانيه من الألم والجوع ..

***

ولما اقترب من البيت مسح عينيه .. وأدخل امرأته مع الطفلين من باب الحريم ثم تقدم إلى المضيفة .. ورأى ثلاثة أشخاص على بابها ينتظرون المعزين .. وبينهم أخوه عبد الرءوف .. فسلم عليهم ودخل ووجد الناس جالسين فى صفوف على الدكة والكراسى .. فجلس فى أول مكان صادفه .. وعرفه أخوه .. حسانين وكان قريبا من الباب ولكنه لم ينهض إليه ..

وبعد فترة قصيرة .. عرفه الجالسون عن قرب .. وبدأ الهمس فى الجنازة وتركزت عليه عيون أهل القرية .. وكان المقرىء يرتل القرآن فاكتفوا بتسديد نظراتهم نحوه .. فلما فرغ المقرىء من التلاوة .. نهض الشيخ سعفان مأذون القرية وخطيبها .. وجلس بجواره يواسيه فى مصابه .. ثم أقبل الشيخ رضوان وكيل العمدة وجلس عن يمينه وحوله بعض الفلاحين .. وبدا من نظرتهم جميعا أنهم أنكروه ، فقد فوجئوا برقة حاله وبساطة ملبسه .. على خلاف ما سمعوا عنه .. فقد قيل لهم أنه يدير عملا مربحا .. وأنه " حوش " الألوف .. فوجدوه أفقر منهم ..

وكانت عيونهم جميعا تود سؤاله ومعرفة أحواله ، ولذلك شعروا بالراحة عندما سأله الشيخ سعفان :
ـ فين .. دلوقت .. يا زكى أفندى ..؟
ـ فى إسكندرية ..
ـ إسكندرية واسعة .. فين يعنى ..
ـ فى كرموز ..‍‍

وارتعش فمه فضم شفتيه .. ولاحظوا اضطرابه فأسكتهم الشيخ رضوان بعينيه .. لم يسألوه شيئا آخر .. وقالوا له :
ـ ربنا يعينك ..
وقدم له الشيخ رضوان سيجارة .. فأشعلها ونكس رأسه .. ولاحظ زكى أن ضوء " الكلوب " يسقط على كم سترته الممزق .. فثناه ليخفى التمزيق .. ولكن الكم كان يعود إلى وضعه الطبيعى من أقل حركة وزاده هذا اضطرابا ..

وكان الأهالى من القرى المجاورة يعزون اخوته الثلاثة .. أما هو فلم يتقدم إليه أحد بتعزية لأنهم لم يعرفوه .. فلما عرفوه .. كانوا يتجاهلون وجوده ..

***

وحوالى الساعة التاسعة ليلا .. والبرد يسفح الوجوه .. شاهد زكى ابنه " بليغ " يقف على باب المضيفة حائرا .. يبحث فى الوجوه .. فلما استقر بصره على وجه أبيه قفز إليه .. وهمس :
ـ ماما .. عاوزاك ..
وكان يبدو على الغلام أنه ضرب حتى بكى ..
فاحتضنه زكى لحظة ..
وقال أحد الموجودين :
ـ ابنك دا يا زكى أفندى ..؟
ـ أيوه ..
ـ من الست ..
ـ أيوه ..

ونهض .. ليقطع الحديث .. ودخل على الحريم .. ووجد قريباته جالسات فى الصالة ، وكان هناك " فانوس " فى السقف .. يرسل الأضواء على وجوههن .. وبحث بينهم عن زوجته .. فوجدها هناك تجلس وحدها .. وعلى وجهها الحزن الأخرس .. وكان ابنها الصغير .. نائما بجوارها .. من غير غطاء ..

ووجد العيون جميعا ترمقه .. وسمع عمته نبوية تسأل :
ـ دا بسلامته .. زكى ..
ـ أيوه يا عمتى ..
ـ مالك .. كده .. اتغيرت .. وأنت لسه صغير .. ماتطلعش من دور ابنى عبد السلام ..
ـ كده .. الدنيا ..
ـ كده يا ابنى .. عذبت نفسك وعذبت " أبوك " .. مات وكبده مقطع منك ومن عمايلك .. وخليته حرمك من الميراث ..
ـ أنا مش عاوز حاجة من حد ..
ـ يا ابنى مسكين .. وباين عليك الجوع .. والعرى .. والست بترقص فينهى كباريه ..
ـ يا عمتى بلاش الكلام دا .. احنا جايين ليلة نحضر الجنازة .. ومن الفجر مسافرين ..

ونظر إلى زوجته المسكينة .. فوجد وجهها يتمزق من السياط التى تلهبه .. وأنبه ضميره لأنه السبب فى كل هذه الآلام .. فقد كانت ترفض أن تسافر معه ولكنه ألح عليها فى السفر لأنه كان يتصور أن أهله ينسون كل شىء بعد وفاة أبيه .. وليريهم أن زوجته امرأة ككل النساء .. وليست كما يتصورون .. ولكن ظنه خاب .. وأخطأ فى كل تقدير .. فالعزبة غير المدينة ..

وحدثته زوجته وهى باكية بضرورة السفر الليلة فعرفها أنه لاتوجد قطارات فى الليل تقف على هذه المحطة الصغيرة .. فحزنت ، وقضت الليلة فى مكانها .. منبوذة لايحادثها أحد .. وقدموا لها الطعام مع الخدم فرفضت أن تأكل ..

***

ونزل هو إلى المضيفة .. جلس فى بيت أبيه كالغريب .. جلس فى البيت الذى ترعرع فيه ، كأنه لاتربطه به صلة ، شعر بشىء يتمزق بداخله .. وأن السكين الحادة التى قطعت صلته بأبيه وأخوته .. قد وصلت إلى الأعماق .. وتساءل .. أتشعر بهذا ، وينظر الناس إليه هكذا .. لأنه حرم الميراث .. لأنه لاصلة مادية تربطه بالأسرة .. وهل هذا الشىء المادى هو الذى كان يربطه بأهله ، فلما أصبحت هذه الصلة غـير موجودة أصبح هو غير موجود فى نظرهم .. وعذبه التفكير ..
وأخذه الشيخ رضوان ليتعشى وينام فى بيته ..

***

وفى الصباح جلس الشيخ رضوان يشرب مع ضيفه الشاى وقال زكى وكأنه يحدث نفسه :
ـ فكرت .. وأنا فى القطار أن أعيش فى بيت أبى .. لأنه قد خلا واخوتى ، كل يعيش فى بيته الخاص .. وفكرت فى أن أزرع فدانين أو ثلاثة بالإيجار فإن الزراعة ليست غريبة علىَّ .. أنها مهنتى .. فكرت فى هـذا .. ولكن أخى عبد الرءوف قال لى أن بيتنا لا تعيش فيه الراقصات ..
ـ يجب أن تعرف طباع الناس فى الريف .. والقرية صغيرة ..
ـ ولكنها لم ترقص فى حياتها سوى ليلة واحدة .. الليلة التى شاهدتها فيها وفى اليوم التالى .. كانت فى بيتى .. وكانت زوجتى .. وهى امرأة شريفة ككل من تعرفهم من النساء .. ولقد أنقذتها من الدنس .. فهل أعاقب على هذا إلى الأبد ..
ـ ولماذا لم تنجح فى حياتك وأنت متعلم .. وغيرك من الجهلاء يتركون القرية إلى القاهرة والإسكندرية .. ويعودون بثروة ..
ـ لقد لازمنى سوء الحظ .. وكلما تقدمت لعمل .. أشاع الناس عنى أن والدى طردنى .. لأننى تزوجت راقصة .. وأننى فاسد .. فهل ينجح فى الحياة من يوصم بهذه الوصمة ..

هناك سكين حادة تقطع صلتى .. بالحياة والناس فتقطعت بى الأسباب وعشت ضائعا ..
ـ فى اعتقادى .. أنك ضعت .. لأنك كنت دائما تشعر بأنك أخطأت وارتكبت اثما .. وأنت عاص .. فانغمست السكين فى ظهرك وحملتها ودرت بها ولهذا لم تنتصب أبدا ..
ـ وماذا أعمل الآن ..؟ هل أميت الأطفال جوعا ..
ـ أخرج هذا السكين من ظهرك وإذا كنت تشعر بالوزر الآن لأنك تزوجت براقصة فطلقها .. وواجه الحياة والناس ولا تجعل شيئا يشدك إلى الأرض .. واترك هذه الحساسية الشديدة التى حطمت أعصابك ..

وابتسم زكى .. وأطرق .. ثم رفع رأسه على صوت الشيخ وهو يقول :
ـ والآن هيا لتأخذ " قطر تسعة " وسأذهب معكم إلى المحطة ..

وخرج زكى واسرته من القرية كما دخلوها .. دون أن يحس بهم أحد .. ورافقهم الشيخ رضوان إلى المحطة .. وقطع لهم التذاكر .. وقبل أن يدخل القطار .. وضع فى يد زكى حزمة من الأوراق ..
فسأله زكى فى استغراب :
ـ ما هذا ..؟
ـ هذا دين للمرحوم والدك عندى .. دين قديم .. وكنا نتعامل من غير سندات مكتوبة .. ولقد قررت بعد أن علمت حرمانك من الميراث .. أن أعطيه إياك وحدك .. لأنه حقك ..
ـ ولكنه مبلغ كبير ..
ـ ابدأ به الحياة ..
ـ أشعر الآن بأن السكين خرجت من ظهرى ..

وتناول يد الشيخ ليقبلها فجذبها هذا سريعا .. وصفر القطار ..

وعندما نظر زكى إلى طفليه وزوجتـه فى العربة .. وجدهم يبتسمون .. ولم يعرف سبب ابتسامهم .. فتقـدم إليهم مبتسما لأول مرة .. وبدت المزارع نضرة على الجانبين .. كل شىء باسم ..

====================================
نشرت القصة بصحيفة الشعب فى 4/1/1957 وأعيد نشرها فى مجموعة قصص لمحمود البدوى بعنوان " زوجة الصياد " و " قصص من القرية " ـ مكتبة مصر
====================================


ص 7 الغريب ـ قصة قصيرة ل محمود البدوى

الغريب
قصة محمود البدوى


سمعت رقية الكلاب تنبح بشدة .. فأطلت من باب الكوخ وحدقت فى الظلام فوجدت أنها تحاصر رجلا يصعد التل وقد سدت عليه الطريق وأخذت تتوثب حوله وتتهارش فجرت تدفع الكلاب عن الرجل بصوتها ويديها .

ونظر إليها الرجل وهو يحاول أن يتحرك بصعوبة .. كانت الكلاب قد نهشته فى أكثر من موضع من جسمه .

ولما رأت رقية الدم على ساقه .. جرت وحملت المصباح من داخل الكوخ وسقط الضوء على وجه الرجل .. فعرفت أنه غريب عن العزبة وعن أهل القرية .. وكان وجهه أسمر .. نابت اللحية .. خفيف الشارب ..

وأخذ يرش على الجرح التراب الناعم .. ليوقف الدم ..

فقالت وهى تقرب المصباح ..
ـ عنـدنا قليـل من البن .. هل تستطيع أن تمشى إلى الكوخ ؟ ..
ـ أستطيع .. لقد خف الألم .. وأريد أن أشرب .
ـ تفضل ..

وقالت لما بلغا باب الكوخ واستراح الرجل الجريح ..
ـ لماذا مررت من هناك .. وهيجت عليك الكلب ؟ .. الطريق من شرق ..
ـ أنا غريب .. ولا أعرف طرقا .. فاتتنى المعدية .. وخرجت من الساحل فوجدت الظلام من حولى ولم أجد غير الضوء فى كوخكم .. فسرت إليه .. لماذا كل هذه الكلاب ..؟
ـ ليس عندنا سوى كلب واحد ..
ـ والباقى ..؟
تتجمع دائما على الغريب ..
ـ لقد نجوت منها .. لأنها انقسمت فريقين .. وأخذت تتهارش .. وتتقاتل .. أدرك بعضها أنى غريب وأحتاج للمساعدة .. حتى الكلاب فيها الأخيار والأشرار ..

وابتسمت المرأة ..
ـ ولكن لماذا تسير فى الليل .. وليس معك حتى عصا ؟
ـ هكذا تعودت .. لم أكن أقدر .. أنى سأتأخر .. ذهبت من الفجر إلى السوق لأشترى جاموسة ..
ـ ولماذا لم تشتر ..؟
ـ وجدتها غالية .. قالوا لى أن الجاموس فى جهات ملوى رخيص ولكنى وجدتها غالية بثمانين وتسعين .. ومائة جنيه .. وعندنا فى سوق الاثنين .. وسوق الحواتكة .. أرخص .. وأوفر المشوار ..

وخيم الصمت ..

وسألت وقد رأت الاعياء على وجهه ..
ـ جائع ..؟
ـ لم آكل منذ الصباح ..

ودخلت الكوخ .. وخرجت تحمل له الطعام ..

فقال وهو ينظر إلى وجهها الصبوح ..
ـ حتى الطعام نصيب ..

فابتسمت .. وأخذت تراقبه ـ وهو يأكل ـ صامتة .. كان وجهه وجه إنسان يتألم ..
وقالت ..
ـ لو رآك همام .. وأنت مار من تحت كان " طخك " ..
ـ هل فى أرضكم ذهب ؟..
ـ ليست الأرض هى السبب .. وإنما البهائم ترعى طول الليل .. منطلقة من العزبة دون أن يحرسها أحد .. وندر أن يمر من هنا الغريب .. ندر ..
ـ ولهذا كلابكم مسعورة ..
ـ إنها لاتحب الغريب ..
ـ وكيف أخرج من العزبة ..؟

وفكرت قليلا .. ثم قالت ..
ـ سيأتى همام .. بعد قليل .. ويمشى معك ..

وبرغم خواطرها التى كانت تشغلها لم يمنع الأمر من أن تكرمه كضيف .. ففرشت له حراما ليتمدد .. حتى يأتى زوجها ..

واضطجع الرجل .. وجاء كلب ضخم وربض بجانبه ..
وغفا .. واستيقظ بعد منتصف الليل .. على زمجرة الكلب وهو يرحب بمقدم صاحبه .. وتحدثت رقية مع زوجها .. وأشارت إلى الرجل الغريب .. فتقدم همام اليه يفحصه ببصره .. ثم صافحه ..

وجلس الرجلان يتحدثان .. وعيونهما تبرق فى الظلام .. وكان السكون شاملا وكان همام جامد الملامح ولايعبر وجهه عن شىء ..

***

ووضع الرجل الغريب رأسه على الفراش .. ونام همام مثله خارج الكوخ والبندقية بجانبه .. وظلت رقية .. ساهرة .. ثم غلبها النعاس فنامت وهى جالسة .. فى مدخل الكوخ ..

ولما فتحت عينيها .. كان الرجل الغريب يصلى الفجر .. ثم سوى ملابسه وطوى الحرام ووضعه بجانبه ..

وسمع صوت رقية ..
ـ ذاهب .. هكذا .. فى البكور ؟
ـ أجـل .. يجب أن يرانى الأولاد قبل الشمس .. وإلا شغلوا ..
ـ مع السلامة .. سأحبس عنك الكلاب .. اتجه إلى الشرق .. واجعل غيط الأذرة على يمينك دائما ..

ولمـــا هم الرجـل بالانصراف .. سمعت رقية زوجها يقول ..
ـ سأرافقه .. حتى يخرج من العزبة ..

ونهض همام .. وتناول بندقيته .. ونظرت المرأة إلى زوجها .. ولم تنبس وسار الرجلان فى الطريق ..

***

وبعد ساعة .. رأت زوجها عائدا .. ودخل صامتا وعلق البندقية .. ووضع شيئا فى شق الحائط ..

فنظرت وذعرت ..
ـ ما هذا انه منديل الرجل .. و .. و .. نق .. ونقوده

فنظر اليها همام وقال بهدوء ..
ـ أعطانى .. ثمن الجاموسة .. سأشتريها له من سوق السبت ..

فحدقت فى وجهه دون أن تطرف .. ثم وضعت ماسورة البندقية عند أنفها .. وقالت بصوت مبحوح ..

ـ لقد قتلت الرجل .. الذى استجار بك من الظلام .. أى عار .. شرير .. قاتل ..

ـ أخرسى يا كلبة ..

ـ لقد غرق لك ابن .. وأكلت النار الثانى .. أما الثالث الذى فى بطنى .. فلن تراه .. لن تراه .. لن تراه ..
ـ ستخنقينه .. ؟
ـ لن تراه .. لن أجعله يرى وجه قاتل .. شرير ..
ـ أخرسى ..

وتركها وهو يلوح بيده وخرج ..

برغم كل ما سمعته عنه ولكنها كانت تكذب نفسها وتكذب الناس لم تكن تتصور قط أنه قاتل .. ولكن الآن كيف تخادع نفسها وقد لمست كل شىء ..

تبعته وركزت حواسها ورأته قد أخذ يدور ويهبط المنحدر .. وتناولت البندقية نفسها سريعا ..

وصوبت .. ثم أطلقت النار .. ورأته يتدحرج ثم يسقط فى الوحل .. ولما رفعت عينيها عن الماسورة .. رأت حمامة بيضاء .. تحلق فى الجو ثم رأتها تهبط لأول مرة على سطح الكوخ ..
============================
نشرت القصة فى صحيفة الشعب المصرية فى 9101956 وأعيد نشرها بمجموعة حارس البستان 1961 لمحمود البدوى

ص 6 ساعة المحطة ـ قصة قصيرة ل محمود البدوى

ساعة المحطة
قصة محمود البدوى

كان عبد الغنى فراشا فى محطة .. متوسطة على شريط الصعيد ومنذ أربعين سنة وهو يعمل فى المحطات .. رأى الخط الحديدى يمتد أمامه ويزدوج .. ورأى أسلاك البرق .. ترفع على الأعمدة الخشبية وتهتز مع زئير الريح .. ورأى القاطرات الضخمة التى تتغذى بالفحم وتثير زوبعة من الدخان .. ثم رأى الديزل السريع الذى يمضى كالسهم من غير دخان ..

وكان عبد الغنى رغم كبر سنه يقوم بكل الأعمال .. حتى النوباتجية إلى الصباح .. فقد كان بادى الصحة لايشكو من أى علة ..

وكان للمحطة استراحة صغيرة .. وضعت فيها كنبة عتيقة ممزقة ومتسخة وثلاثة كراسى من القش علاها التراب ..

وكان لايدخل هذه الاستراحة أحد إلا السيدات اللواتى ينتظرن الاكسبريس فى ليالى الشتاء ..

ومكتب للتليفون والتلغراف .. تهزه الريح فى الشتاء ويتساقط من سقفه المطر .. ثم مخزن للعفش .. ولكن العفش كان يترك أبدا على الرصيف ..!

كانت القذارة فى كل مكان .. داخل المحطة .. وخارجها ..

وكان كل شىء يتحرك .. فى كآبة مملة .. الموظفون يتثاءبون فى الساعات الأولى من الصباح .. والخفراء والعمال والحمالون يعملون كأنهم مسخرون ..

كان الموظفون يشكون من جمهور الركاب ومن المصلحة ومن الغبار والذباب والحر اللافح فى الصيف .. ومن المطر والبرد والوحل فى الشتاء ومن الكآبة المظلمة التى تحيط بالمكان ..

وكانت لافتة المحطة منصوبة على عمود خشبى فى الشمال .. وطمس من اسمها حرفان تماما .. فأصبح يتعذر على أى إنسان أن يقرأها ..

وكانت هناك شجرة واحدة .. كان من الممكن لو ازدهرت أن تكون منبع الظل والجمال .. ولكن تركت للمقادير .. ولريح الخماسين .. ولم يكن هناك شىء مضبوط فى المحطة سوى الساعة .. وتحتها كان يجلس عبد الغنى .. ومنذ انشئت المحطة .. وعلق عبد الغنى بيده الساعة على واجهتها وهى تسـير بدقة .. كانت لاتتأخر ولا تتقدم ثانية واحدة .. كانت تسير بانتظام عجيب ..

وكان الناس يضبطون عليها ساعاتهم .. كأنها " بج بن " ..

وكانت هذه الساعة تتحرك وتحتها يتحرك عبد الغنى ينظر إليها .. ويقرع جرس القطار .. وينظر إليها .. ويفتح مكتب الناظر .. وينظر إليها .. ويتسلم الوردية من شعبان ..

وكان كل شىء حسنا فى نظر عبد الغنى .. كان قانعا بالحياة .. راضيا وكانت أمنيته العزيزة الباقية أن يزور الأسياد فى القاهرة ..

***

وذات مساء .. استدعاه الناظر وقال له :
ـ يا عم عبد الغنى .. مدتك .. قربت ..

ولم يفهم الرجل فقد كان بكامل صحته .. كأنه ابن العشرين .. وفتح فمه فى استغراب .. ومد رأسه يستوضح .. فقال الناظر :
ـ وصلنا جواب .. من المصلحة .. علشانك ..
ـ فيه ايه ..؟
ـ مدة خدمتك تنتهى فى أكتوبر ..

وكأنما سمع الرجل الحكم عليه بالاعدام .. فرغم الكآبة وقلة الأجر طوال هذه السنوات .. فإنه كان يعمل ويتحرك .. ويشعر بالأمان .. أما الآن .. فقد القى به بعيدا .. عن معترك الحياة ..

وأحس الرجل الذى كان يسير فى المحطة كابن العشرين .. أحس لأول مرة فى حياته بالشيخوخة الحقة تدب فى جسمه .. فسحب رجليه سحبا .. وجلس على دكة هناك .. بعيدا .. ينظر إلى المحطة الصغيرة التى عاش فيها .. أربعين سنة من عمره .. والتى أقامها على عاتقه .. أن كل الموظفين الذين جاءوا إليها وعاشوا فيها .. خدمهم باخلاص .. كان لهم نعم الأب .. الصغار والكبار منهم وكل شىء فى المحطة يتصل به ويمتزج .. الاكشاك .. وأسلاك البرق .. والمكاتب والتليفون .. وآلة التلغراف .. وحتى التراب .. فكيف يقطع هذا منه وينفصل عنه فى لحظة .. فى اكتوبر سيخلع بدلة المصلحة .. وماذا يلبس .. وفى أكتوبر سيتسلم المكافأة وماذا يفعل بها بعد أربعين سنة .. قضاها فى هذا القطاع الضيق من الحياة .. ماذا يفعل ..؟

واستدار بعنقه وهو جالس .. إلى الخلف .. شعر بشىء يحط على كتفيه .. وود لو يراه .. ويلمسه .. وتثاءب .. وأحس بالنعاس وشعر بثقل تام فى جسمه كله ..فاسترخى وراح فى دوامة من الهموم ..

ولما انتهى من عمله فى المحطة .. انحدر منها إلى بيته .. وفى الطريق وقف أمام دكان حمدان يشترى علبة سجائر .. وكان يود أن يقول له :
ـ استوفيت المدة .. يا حمدان .. الناظر .. قال لى كده ..

وعجب أهل بلدته لمنظره وهو يمشى متثاقلا .. حزينا .. حسبوه راجعا من جنازة ولده ..

وعندما دخل بيته ورأت زوجته الكآبة على وجهه ، سألته :
ـ مالك .. يا عبد الغنى .. قطعوا منك يوم ..؟
ـ قطعوا عيشى .. على طول ..
ـ كيف ..؟
وخنقتها العبرات ..
ـ استوفيت المدة ..

ولم تفهم نبوية شيئا .. ولكن بعد دقيقة فهمت .. وخيم الحزن على البيت وناما من غير عشاء ..

***

وفى اليوم التالى .. استيقظ عبد الغنى لأول مرة متأخرا .. وشعر بكآبة الحياة وثقلها .. وخرج من بيته إلى المحطة .. وكان يسمع صفير القطارات ودخانها .. وحركة السيمافورات .. وهو يشعر بغشاوة على بصره وسمعه ..

رأى كل شىء قد التف فى سواد .. ماتت فى نظره كل المباهج والمتع واسود وجه الأرض فى لحظة ..

وكان كل من فى المحطـة قـد عرف أن عبد الغنى سيحال إلى المعاش .. فتألموا لفراقه ، فقد كان يغمرهم جميعا بأبوته الكريمة ..

ورآه ذات ليلة أحد الموظفين يشترى شيئا من السوق لموظف التلغراف .. وابتدره عبد الغنى بقوله :
ـ سمعت يا فكرى أفندى .. أنا استوفيت المدة .. امبارح ندهلى الناظر .. وقال لى كده ..
وكانت عيناه .. تسبحان فى الدمع ..
ـ وما كلمتش حد ..؟
ـ مين ..؟
ـ الدكتور عرفان مسافر فى قطر تسعة هو والست بتعته .. اجرى كلمه .. يكلملك حسن بيه ..
ـ يعمل إيه ..؟
ـ يشوفلك حل .. يمدوا لك المدة .. يعينوك عتال ..!! أنت بصحتك ..
ـ مسافر فى تسعة ..؟
ـ أيوه .. الحق ..

***

وعندما صعد عبد الغنى جسر المحطة .. كان قطر تسعة يدخل كالزوبعة وكان الوصول إلى المحطة عدوا .. لايمكن أن يتم فى أقل من خمس دقائق .. والقطار .. يقف دقيقة واحدة .. ومع هذا فإن العجوز المسكين جرى بكل سرعته .. وكل قوته ..!!

وعندما دوى حذاؤه على أرض المحطة كان القطار قد تحرك .. ورمى مارجا من الدخان والنار ..

وصاح عبد الغنى .. وهو يجرى وراء آخر عربة :
ـ يا عرفان بيه .. شوفلى حكايتى فى مصر .. وحياة السيدة زينب ياعرفان بيه .. كلم حسن بيه وحياة أولادك حيرفتونى ..

وأخذ الرجل يزعق .. كالمجنون ويختلط صراخه .. مع الصفير .. وبعد أن غاب القطار فى جوف الليل عاد عبد الغنى يلهث على الرصيف ثم جلس تحت الساعة .. وكان التعب قد نال منه وقلبه يدق بشدة فقد بذل مجهودا عنيفا ..

وعندما دخل قطار نصف الليل المحطة خرج الناظر من حجرته يستقبله .. ورأى عبد الغنى من بعيد جالسا تحت الساعة وحيا الناظر الكمسارى والسائق .. ثم قال :
ـ دق الجرس .. يا عبد الغنى ..

ولكن الجرس لم يدق ، لأن عبد الغنى أصبح لايسمع أى صوت ..
وأشار الناظر بيده للسائق .. فتحرك القطار من غير صفير ..

***

كان كل من يراه يتصوره نائما .. وكان وجهه يتجه إلى السيمافور المفتوح .. على خط القاهرة .. وإلى هذا السيمافور كان ينظر من أربعين سنة وعلى وجهه الرضا والقناعة ..

وكانت الساعة قد توقفت على العاشرة والدقيقة الخمسين وهى اللحظة التى توقف فيها قلب الرجل .. توقفت تماما .. وهو شىء لم يحدث لها منذ تحركت عقاربها فى هذه المحطة ..
====================================
نشرت القصة بمجلة الجيل 30/4/1956 وأعيد نشرها فى مجموعة قصص لمحمود البدوى بعنوان " غرفة على السطح " وفى مجموعة " قصص من القرية " ـ مكتبة مصر
====================================


ص 5 الوسيط ـ قصة قصيرة ل محمود البدوى


الوســــــيط
قصة محمود البدوى


مصر هبة النيل .. ولكن سكان قرية بنى تمام .. كانوا لايحبون النيل .. وينتابهم الذعر فى أيام الفيضان فعندما يرتفع منسوب الماء .. يأكل من أرضهم وعندما يهبط فى أيام التحاريق .. تتشقق الأرض وتنهار .

ظل النيل على توالى السنين يزحف عليهم حتى أكل الوادى الذى يزرعونه تحت البلد .. ولاصق جدار القرية ونخيلها .. لاصق المبانى .. المبنية من الطين .. أصبح منها على قيد سبع قصبات ..!!

واستيقظ الأهالى فزعين .. وتجمعوا فى الدرب وفى سقيفة الشـيخ عبد الكريم .. وذهبوا إلى دوار العمدة فقال لهم :
ـ اجمـعوا .. قرشـين للمفتش .. ليـس من طريقة غير هذه .

ولكنهم كانوا لايصدقونه .. فكم جمعوا من نقود وأكلها فى بطنه وكذب عليهم وكان كل من يجىء إلى القرية من رجال الحكومة .. يحدثونه عن النيل الذى يأكلهم .. معاون الزراعة .. وضابط النقطة .. وعسكرى الداورية .. وخفير الأحوال .. الذاهب إلى المركز .

كانوا يحدثون كل من يجدونه حتى طواف البريد .. وكتبوا عرائض .. واشتكوا لكل الجهات .. ولكن النيل ظل يزحف عليهم كالغول ولم يوقفه أحد .

واتصلوا بنائبهم عرفان وكان يقيم فى مصر بصفة مستمرة .. ولا يشاهدونه إلا فى موسم الانتخابات .

كتبوا له ولكنه لم يرد عليهم ولم يفعل شيئا .. وكانوا يتساءلون لماذا يهملون هكذا .. وتتركهم الحكومة للبحر .. وأخيرا شرح لهم الشيخ سعفان الموقف وكان يطالع الصحف اليومية ويكتب العرائض والشكاوى للمظلومين .

ـ الحكومة تهمها السكة الحديد .. وأنتم بعيد .. فى البر الشرقى ..

ومع كل هذا الظلام .. لم ييأس الفلاحون من المنقذ .. فقد اعتادوا على الصبر .. رغم أن كل ما يحيط بهم يخدعهم .. الأرض التى يزرعونها تخدعهم .. والنيل يخدعهم .. والطبيعة نفسها تخدعهم .. ولكنهم يصمدون .. لم يصبهم اليأس أبدا .. وظلوا يتشاورون فيما يفعلون .. وأخيرا لاح لهم المنقذ .. فكروا فى عبد المجيد أفندى المأمور .. مأمور " الششتى " الذى فصل من وظيفته وجاء إلى قريته ليعيش بينهم .

كان سكيرا وبدد كل أفدنته وقراريطه .. ولكنه كف عن الخمر الآن وتاب .. وهو الأفندى الوحيد الذى وجدوه أمامهم .. والمتنور فيهم .. وحدثوه عن الموضوع فقال لهم أن هذه المسألة لاتحل فى المركز ولا فى المديرية .. وانما تحل فى " مصر " وسيرون مراكب الحجر .. والرأس قائمة بعد شهر واحد .. وطلب مائة جنيه .. للمصاريف وليعطى منها الذين سيسهلون له الأمور .

وجمعوا له المبلغ .. وودعوه على المحطة .

وفى كل صباح كانوا ينظرون ناحية النيل .. ليروا الحجر .. والمراكب .. التى تحمله أو العمال يحملون الفئوس .. أو المهندس يخطط فى الأرض .. أو المفتش يعاين المكان .. ولكنهم كانوا لايشاهدون أحدا .. ولم يكتب لهم عبد المجيد أفندى منذ سافر ولم يسمعوا عن خبره .. كان كأنه مات بالسكتة فى الطريق فأدركهم ظلام من اليأس ولم يكونوا يتصورون أن الرجل يخدعهم أو يغشهم إلى هذا الحد .

ولكن فى هذا الظلام .. ظهر النور فجأة .. جاء أحد الفلاحين إلى دكان حسين الدخاخنى وقص على الأهالى أنه شاهد ثلاثة من الأفندية .. ينزلون من " الأتوموبيل " وعاينوا شرق البلد .. وحددوا مكان الرأس ودقوا الحديد وانتشرت هذه القصة الخيالية فى القرية .. وتندت عيون الفلاحين من الفرح .. دعوا لعبد المجيد أفندى بطول العمر .

ولكن عبد المجيد أفندى لم يكن يستحق شيئا من دعاء هؤلاء البسطاء المساكين فمنذ ركب القطار لم يفكر فى مفتش الرى ولا فى مقابلة النائب عرفان .. ولا فى أى شىء يتعلق بالموضوع .. ووجد فى جيبه المال فحن إلى ماضيه .. وانجذب .. جذبته القاهرة بأنوارها الساطعة وملاهيها وحاناتها فصرف كل ما معه من نقود .

وخشى من الجوع والتشرد فى هذه المدينة الكبيرة التى لاترحم فلجأ إلى " بلدياته " فى حى بولاق .. فاقترض منهم أجر السكة الحديد وعاد فى أول قطار .

رجع إلى القرية بعد غيبة سبعين يوما .. وركب السيارة العمومية الذاهبة إلى المركز .. وعند تقاطع المرور .. نزل .. وسار على الجسر إلى القرية .. وقابل فى الطريق بعض الفلاحين الذاهبين إلى الحقول .. ولكن أحدا منهم لم يكلمه .. لم يعرفوه .. فقد تغير شكله .. واتسخت ملابسه وتمزقت .. وطال شعر ذقنه .. وتدلت شواربه .. وغدا وجهه أسود كالفحم .

وعندما لمح قريته من بعيد تسمرت قدماه وشعر برجفة ، فقد انهار الجرف الشرقى كله .. وطغت المياه على القرية .. وسقطت بيوت الحى الشرقى فى الماء وكان أول بيت سقط بيته هو .. رأى نخلته التى كانت تتوسط الدار .. تسبح فى اللج ..!!

وعندما وصل إلى بستان نعمان .. سقط قلبه .. فقد رأى جنازة تتجه إلى المقبرة وخيل إليه أنه يسمع صراخ زوجته وعويلها .. وبعد خطوات تأكد من وجودها .. ورآها تلبس السواد وتندب ثكلها .

وتخشب جسمه على الجسر .. ومر به سقاء القرية .. فعرفه .. واقترب منه وهو يقول متأثرا :

ـ البقية .. فى حياتك يا عبد المجيد أفندى .. وشد حيلك .

ونظر إلى السقاء مذهولا وهو لايفهم شيئا .

ثم سقط بجانب الجسر .. وأخذ يهيل على وجهه التراب .
===============================
نشرت القصة فى صحيفة الشعب المصرية فى 17/7/1956 وأعيد نشرها فى مجموعة قصص " مساء الخميس " لمحمود البدوى عام 1966
================================

ص 4 الطاحونة ـ قصة قصيرة ل محمود البدوى

الطاحونة
قصة محمود البدوى

زاد نشاطى وعملى فى الطاحونة بعد وفاة المرحوم ماهر ، فقد كنت أحب الرجل الذى وضع فى فمى لقمة العيش بعد الجوع والبطالة وأخلص لذكراه .. وأود أن تسير الحياة فى الطاحونة وخارجها كما كانت .. لأن أرملتـه نجيـة لاتستطيـع أن تفعل شيئا وحدها فى قرية " عامر " ولو جاءت برجل يعينها فسيأكل قوتها وقوت عيالها .. هذا ما قدرته ..

وكان المرحـوم ماهر قد اشترى هذه الطاحونة بعد عودته من بحرى .. عاد ومعه ألف جنيه .. ونجية .. وأشار عليه الناس الطيبون فى البلد بأن يشترى طاحونة عبد السميع .. وكانت متعطلة فاشتراها .. وأصلح الوابور وأدارها .. وجعلنى المحصل فيها وكاتب الحسابات بها لأنه لايعرف القراءة ..

وكانت الطاحونة بحجرين ولكنا كنا نكتفى باستعمال حجر واحد نطحن به الأذرة والقمح .. وأصبح الحجر الآخر شبه معطل ثم أصبح " يعاكس " عندما كنا نستعين به فى أيام الأعياد والمواسم .. وكانت هذه الطاحونة هى الوحيدة فى القرية وعملاؤها جميعا من النساء .. فمن هو الرجل فى القرية الذى يحمل مقطفا .. على رأسه ويذهب إلى وابور الطحين .. وكانت الطاحونة تدور على الأذرة .. فى معظم الأيام .. ولا يظهر القمح فى " القادوس " إلا فى الأعياد ..

وكان فى القرية ثلاثة بيوت غنية تأكل القمح طوال السنة .. ولكنها لم تكن تطحن عندنا .. كانت تطحن فى البندر .. لأن طحيننا " أسمر " وليس فى الوابور " منخل " ..

ولكن عندما وضعت القيود على المطاحن فى أيام الحرب الحالكة جاءوا إلينا .. وكنا نوقف طحن الأذرة .. لنطحن لهم القمح خالصا من كل خلط .. وكنت أسمع الفلاحات الواقفات فى الحوش .. يعلقن على هذا :
ـ استنى يا أختى .. للمغرب .. الوابور داير للذوات .. قمح .. ودقيق .. غريبة .. مين يفكر فى الفقرا.. يا حبيبتى مين ..
ـ هو دا وابور .. يسد بيت صحابه ..

وكانت تقول هذا شريفة كلما دخلت حوش الطاحونة .. وكانت طويلة مياسة وبيدها عصا من الجريد أطول منها ..

وكنت أسمع هذه الشتيمة مائة مرة حتى بعد أن مات ماهر وانسد البيت فعلا .. ولا أستطيع أن أتكلم .. لأننى اعتدت على هذه الشتائم ومثلها وأكثر منها .. ولم أكن أعرف لماذا يشتمن .. إذ أن شكواهن كانت عامة ولا تتناول شيئا بعينه ..

وكان عبد الموجود يرد على الشتائم ويعلو صوته على حجر الطاحونة ..

وفى هذه الدوامة وتحت ضجيج الآلات وزعيق النساء كنت أعمل وراء حاجز خشبى وأجلس إلى مكتب قديم .. وأقيد الايراد فى دفتر صغير يعلوه التراب والدقيق .. وكان الدقيق يعلو جلبابى ووجهى ..

وكان ماهر يعطينى .. خمسة جنيهات فى الشهر .. وكنت قانعا بهذا المرتب .. سعـيدا به .. لأننى أحسن من أخوتى الذين يعملون فى الحقول ..

وكان الوابور بجانب الجسر قريبا من " الموردة " .. كانت بنايته أول شىء يصادفك وأنت طالع من النيل .. ولهذا كان بعض الفلاحات من الجزر القريبة يحملن مقاطفهن ويجئن إلينا فى أيام السوق لأنهن يجدن اللنش فى هذا اليوم شغالا على خط واسع من منفلوط إلى أسيوط ..

وكنت أنا الذى سقط فى امتحان الابتدائية ثلاث مرات .. والذى ضرب معلم الحساب وفصل من جميع المدارس وضاع مستقبله .. أدير الطاحونة بعد أن مات صاحبها أحسن ادارة .. وأقوم بعمل ثلاثة رجال وعندما كنا نسهر كنت أريح أسطى الماكينة وعامل " القادوس " .. وكنت أعطى نجية فى أخر اليوم الإيراد .. أذهب إلى بيتها بنفسى .. كنت أضع القروش .. مع الفضة مع أوراق النقد الصغيرة .. أصر هذا كله فى منديل .. وأذهب إلى الدار .. أدفع الباب وأدخل إلى المجاز وأنا أقول :
ـ يا ساتر ..

إذ لم تكن نجية تظهر علىّ قط .. رغم أنها بحراوية من المنصورة ومن منطقة شجرة الدر .. وعندما جاء بها طاهر حجبها كلية عن الأنظار وكان الناس يتغنون بجمالها .. ولكننى لم أكن بعد عشرة دامت ستة أعوام قد رأيتها رأى العين .. أو وقع نظرى عليها وهى سافرة .. كان هذا والرجل حى .. وبعد موته حافظت على ذكراه .. فلم أرها قط .. وكنت أجلس فى المجاز ونظرى إلى الأرض ..

وتقف هى على درج السلم منزوية .. وأناولها المنديل بالنقود .. وفى الأسبوع الأول لوفاة المرحوم كانت بعد أن تتناول المنديل تنخرط فى البكاء .. وكنت أقدر ظروفها ..
ـ شدى حيلك .. يا ست .. لازم تشدى حيلك .. قدام الأولاد دا أمر ربنا ..

ولم أكن أسمع كلاما .. وإنما بكاء يستمر مدة .. وشهقة وشهقات ثم أرى منديلا صغيرا يجفف هذه الدموع ..

وكنت أرى وأنا جالس ذيل الثوب الأسود الطويل .. والقدم الصغيرة فى الشبشب .. ولكثرة ما تعودت أن أنكس رأسى وأنا فى بيتها .. لم أكن أغير هذا الوضع .. حتى وأنا أداعب ابنها عبد الفتاح ..

ثم تطور الحال بعد أن رغبت فى أن تعرف كل أحوال الطاحونة وأصبحت تجلس أمامى .. وهى ملثمة ومغطية رأسها بالطرحة ..

وكانت بعد وفاة المرحوم مباشرة ترغب فى أن تبيع الطاحونة وتذهب بأولادها إلى أهلها فى المنصورة ..
ولكنى كنت أعارضها .. وأقول لها :
ـ أن أولادها سيكونون غرباء هناك .. ويجب أن تبقى لتربى عبد الفتاح .. حتى يفتح بيت أبيه ..

وعندما رأت الطاحونة دائرة والإيراد لم ينقص وافقتنى .. وكان معظم القرويات المترددات على الطاحونة من الصبايا .. لأن العجوز لا تستطيع أن تحمل كيلتين وثلاث كيلات من الغلة على رأسها .. وكن يجلسن فى حوش الوابور بجانب مقاطفهن يتحدثن .. أو يصمتن .. والفلاحة بطبعها قليلة الكلام .. كثيرة العمل .. وقد تعلمت منهن فى جلستهن الطويلة الصبر ..

فمنهن من كانت تجلس فى انتظار دورها من السابعة صباحا .. إلى الثانية بعد الظهر .. دون أن تتذمر أو تأكل أو تشرب شيئا ..

وكانت عملية الطحن نفسها رغم ما فيها من مشقة وتعب ممتعة للغاية .. وكنت أنسى التراب .. وغبار الدقيق .. وصوت الحجر الدائر وهزات الخشب وزعيق النساء .. أنسى هذا كله لأننى أعمل وأدير وحدى الطاحونة بعد موت صاحبها ..

وكنت قد بلغت الخامسة والعشرين وأفكر فى الزواج ككل شاب فى القرية .. وكانت نعيمة بنت الريس جلال .. هى التى وقع عليها اختيارى لأن والدها مراكبى .. ويعمل مثلى بعيدا عن الغيط والفلاحة وأنا أفكر إذا ساعدتنى ظروف الحياة .. أن أقيم مطحنا فى المدينة .. ونعيمة ما دامت غير لاصقة بالأرض ستذهب معى حيث أذهب ..

هذا ما فكرت فيه وعملت له وأخذت أوفر ثلاثين جنيها لأعطيها لوالدها كمهر .. والرجل قادر على تجهيز بنته ..

وكان كل شىء فى الحياة والطاحونة يبلغنى هذا الهدف .. فالطاحونة زاد ايرادها اليومى بعد وفاة المرحوم ماهر ولم ينقص .. ورسخ قدم نجية فى البلد .. لتربى عبد الفتاح .. ليأخذ مكان والده .. وأصبحت تستشيرنى فى كل الأمور .. وكان عبد الحكيم الأخ الأكبر لماهر قد تقدم إليها ليتزوجها .. وقال لها أن غرضه تربية أولاد أخيه ولكنها رفضت ولم يكن رفضها لأنه متزوج وسيجعلها زوجة ثانية وانما لأنها كانت تعرف أن غرضه الأول هو الاستيلاء على الطاحونة التى جاهد ماهر وشقى فى الحياة حتى حصل عليها .. فكانت تعرف أن ماهر خرج من البلد منذ سنين فقيرا معدما ليجرى على معاشه .. وسافر فى مركب .. ولم يقبل على نفسه أن يقترض من أحد من أهله أجرة السكة الحديد .. كانت تعرف هذا ..
ـ ودلوقت جاى عبد الحكيم .. علشان يجوزنى .. لأ .. ومتخلهش يدخل الطاحونة ..

والواقع أنه لم يكن يدخل الطاحونة .. وزادت مسئوليتى وأعمالى وأصبحت نجية تثق في ثقة مطلقة ..

***

وكنت أجلس منكس الرأس فى " المجاز " كعادتى .. ولكننى لم أكن أرى قدميها .. والشبشب .. كما كنت أفعل فى أول عهدى بها .. وانما كنت أرى جسمها كله فى ردائه الأسود .. وطرحتها الخفيفة على رأسها .. لأنها غيرت مكانها وهبطت من بسطة السلم ثلاث درجات وأصبحت فى مواجهتى .. فلا يفصلنا جدار السلم الدائرى .. الآن .. وإنما يفصلنا شىء آخر .. شىء آخر غير مرئى لكلينا .. شىء مغيب فى التراب .. ولكن .. لم أكن حتى هذه اللحظة قد رأيت وجهها ..

وانما رأيت العينين فقط .. العينين الخضراوين .. من " البحر الصغير " .. أو من شجرة الدر .. فإن المراكبية فى بلدى كانوا يتحدثون كثيرا عن " البحر الصغير " ولا يعرفون شجرة الدر .. ثم حركة الشفتين من وراء الطرحة المطوية ولا أدرى لماذا تعلمت أن تتلثم كالصعيديات .. لاشك أنها كانت تحافظ على تقاليد المرحوم ..

***

وكان فى القرية قهوتان .. قهوة على الجسر قريبة من المسجد وقهوة فى الدرب .. ولكنى لم أكن أجلس فى الليل فى واحدة منهما .. لأنى لا أحب رائحة " الحسن كيف " ولا التمباك .. ولا أشرب الشاى الأسود .. وإنما كنت أخرج من الوابور .. وأذهب إلى الموردة .. وأجد فيها أربعة أو خمسة مراكب كبيرة من مراكب بلدنا .. رست فى الموردة ليزور ملاحوها أهلهم ثم يستأنفوا سيرهم إلى مصر .. أو إلى أسوان .. وكانت هـذه المراكب محملة بالقطن أو الغلة .. أو البلاليص إلى أقصاها .. وبينها وبين الماء مقدار خمسة قراريط ..

وكنت أنزل فى أقرب مركب .. وعند الدفة .. أغتسل من الدقيق والتراب .. أو أخلع ملابسى وأغطس .. فى الماء وأخرج لأنشف جسمى بيدى .. وأرتدى ملابسى .. وأصلى المغرب والعشاء .. وأجلس بعد ذلك أسمر مع الريس حمدان ومن معه من المراكبية وكنت أحبهم جميعا وأحب حياتهم فى النيل .. حتى أحس بالنوم .. وفى بعض الليالى كنت أنام بجوار الدفة إلى الصباح ..

ولا أدرى لماذا كنت أتصور وأنا جالس فى مؤخرة المركب .. أنه مبحر .. ونجية وأطفالها الثلاثة بجوارى ووضعنا فى المركب عفش البيت كله .. ولم ننس حتى الزير وأننا ذاهبون إلى مصر ..

ولا أدرى لمـاذا تصورت هـذا فى تلك اللحظة .. ولم أتصور أن بجوارى نعيمة .. مع أننى كنت أعمل بكل امكانياتى على الزواج من هذه الفتاة الطيبة .. وكانت أمها تعرف ذلك وان لم نقرأ الفاتحة ..

***

وفى ليلة من ليالى الصيف وكنت أجلس مع بعض المراكبية على ظهر المركب .. لمحنا مع شعاع القمر الأول شيئا أسود يقترب منا .. ثم يصطدم بالمركب .. وجذبه أحد الملاحين ووجدناها فتاة من القرية مخنوقة حديثا وبدأ بطنها ينتفخ ..

وأشاع أهل القرية أن زهرة خنقها أهلها فى وابور الطحين .. ثم ألقوا بجثتها فى الماء .. وأن روحها تسكن فى الوابور وتصرخ فيه كل ليلة من ظلم أهلها ووحشيتهم .. فقد أثبت الطبيب الشرعى أن الفتاة ماتت عذراء .. ومع أننى أغلق الوابور بالمفتاح .. والخفير يسهر عليه إلى الصباح .. فقد صدق أهل القرية هذه الاشاعة ..

وزادها توكيدا أن " بستم الوابور " انكسر بعد حادث الفتاة مباشرة وحملناه إلى الورشة وتعطل الوابور .. عشرة أيام كاملة .. ثم أصيب أسطى الوابور فى يده .. وسقط عبد الموجود من فوق الحاجز الخشبى بجوار " القادوس " وكادت أن تدق عنقه ..

وأخذ الناس ينسجون حول روح زهرة الأساطير .. حتى خاف أهل القرية جميعا .. أن يمروا بجوار الوابور فى الليل .. وحتى خاف الخفير .. نفسه .. وأبعد عن الوابور ..

وكنت أقاوم هذه الاشاعات بكل ما أملك من قوة وصبر .. ولحمنا " البستم " وعاد الوابور يتك .. ولكن الفلاحين لم يصدقوا أعينهم وتحول عنا نصف العملاء .. ذهبوا إلى القرى البعيدة .. وعندما تعطل الوابور مرة أخرى .. بقى القليل منهم ..

وكنت أكافح وحدى .. فقد تحطمت أعصاب كل من كان يعمل معى فى الوابور .. وصدقوا الاشاعة .. وسرت إلى أعماقهم .. وقل الايراد وأصبحنا لانحصل إلا على قروش قليلة فى اليوم .. وضاع كل ما كان موفرا لدى نجية فى الاصلاحات .. فقد كنا نحل بعض آلات الوابور كل أسبوع ونذهب بها إلى الورشة ولم يبق معها أى شىء .. وعجزت عن دفع أجرة الأسطى فذهب يوم الخميس يعود أهله .. ولم يعد .. فقررت أن أدير الماكينة بنفسى لأننى تعلمت من كثرة ملازمتى للأسطوات كيف تدور وكان أهم شىء عندى أن يرى الفلاحون " العادم " يخرج من الماسورة وأن يسمعوا صوت " الكرنك " وليس المهم أن يطحنوا .. وانمـا المهم أن يعرفوا أن الوابور دائر ولم يتعطل إلى الأبد ..

***

وكنت أذهب فى هذه الأيام الحالكة إلى بيت نجية .. كل مساء وقالت لى ذات ليلة :
ـ عاوزة أبيع الوابور ..
ـ ستخسرى كثير دلوقت .. تبيعيه بتراب الفلوس ..
ـ تعبت وما عدش فيه فايدة .. وابور منحوس عاوزة أوكل العيال مساكين ..

وكانت حالتها محزنة فتأثرت .. ووضعت يدى فى جيبى وأخرجت لها الثلاثين جنيها مهر نعيمة ..
ـ إيه دول ..؟
ـ علشان تصرفى على الوابور .. تشترى غاز وزيت .. وتدفعى منهم أجرة عبد الموجود .. وحسنين .. والباقى خليه معاكى ..
ـ أنت بقالك ثلاثة أشهر ماختش ولامليم ..
ـ معلهش بكرة آخد .. وتزيد أجرتى ..
ـ مش ممكن آخـد منك مليم .. كمان أحرمك .. من عرق جبينك ..
ـ إن مكونتيش حتخديهم دلوقت .. حاسيب البلد وأمشى من بكرة ..
ـ تمشى تروح فين .. أنا مقدرش أعيش من غيرك ساعة ..

وأسفرت عن وجهها فى تلك اللحظة .. جعلتها المحنة التى نزلت بنا والتى جمعتنا تسفر .. ورأيت وجهها أبيض مستطيلا نقى البشرة وشفتين رقيقتين ناعمتين يكتنز فيهما الدم .. وقالت وكأنها ترانى لأول مرة :
ـ يعنى انت كبرت وطولت يا عبد الله .. وبقيت راجل أمال مجوزتش ليه ..؟
ـ حجوز ..
ـ مين ..؟

ولا أدرى لماذا لم أقل لها نعيمة بنت الريس جلال .. والواقع أن نعيمة لم تكن فى ذهنى فى تلك اللحظة وإنما قلت :
ـ أى واحدة بنت حلال .. كل بنات البلد بنشوفهم فى الوابور ..
ـ أوعى تكون اتلميت على أم توحيدة .. بيقولوا محوشة قرشين وبتعرض نفسها على الرجالة ..
ـ ومين غيرها ينفعنا فى الأزمة دى ..
ـ أوعى أزعل منك ..

وجلست على السلم تعد النقود .. وكانت تعلونى بمقدار أربع درجات .. وأنا جالس القرفصاء .. ووجهى إلى الأرض .. وعندما رفعت رأسى .. رأيت ما يعلو القدم من الساق .. بمقدار شبر .. ولم تكن هناك دمالج ولا خلاخيل .. ورأيت طرف القميص الأزرق تحت ثوب الحداد ورأيت استدارة الجسم كله فى خط مائل .. فلم تكن نجية معتدلة فى جلستها ..

وشعرت بضربات قلبى كالمطرقة وأنا أسمع صوتها ولم يكن الصوت الذى ألفته .. كان يقطر عذوبة ورقة ..
ـ يعنى دول ثلاثين ..
ـ أيوة ..
ـ مهر الجواز .. وليه أحرمك منه ..
ـ دى فلوسك يا ستى ..
ـ أخـدهم علشـان ما تزعلش .. بس أوعى تتلم على أم توحيدة ..!

وكانت تبتسم وتنظر إلىّ بكل أنوثتها وكل فتنتها .. وشعرت فى تلك اللحظة .. بالفاصل الذى كان بينى وبينها قد انزاح ولم يعد له وجود ..

ومن تلك اللحظة استولت نجية على جسمى وعقلى ..

***

وكانت المحنة مستمرة .. ولم تتحسن أحوال الوابور .. كانت روح زهرة لا تزال مسيطرة على أهل القرية ..

وحدث أن تعاركت مع أحد الفلاحين وقد غاظنى أنه أخذ يروى أمامى أنه شـاهد روح زهرة فى الليل على شكل كلب مسعور .. يعوى .. انقلب إلى ذئب .. ثم إلى ضبع .. فضربت الرجل لأقطع لسانه عن هذا الكلام ..

وذهبنا إلى النقطة وحبسـنا معـا ثلاثة أيام .. وفى اليوم الرابع أخرجونى .. وعلمت من حسنين أن نجية ذهبت فى الليل إلى النقطة ليخرجنى الضابط وجننت وأنا أسمع منه هذا الكلام .. ولم أدر ما الذى ركبنى فى تلك الساعة فقد كنت فى حالة جنون تام .. ودفعت الباب برجلى ودخلت .. ولما أحست بى نزلت ..

وارتاعت لما رأته على وجهى من الغضب .. إذ تصورت أن الوابور انكسر ومصيبة جديدة حاقت بنا ..
وسألتها :
ـ رحت النقطة ..؟
ـ أيوه .. وكان معـايا الشيخ رفعت وكيل العمدة .. وعبد الفتاح ..
ـ وعلشان إيه تروحى .. ما عندناش نسـوان تخرج وتروح النقطة ..
ـ كان معايا الشيخ رفعت قلت لك ..
ـ دا عيب منك فضحت الراجل فى قبره ..
ـ أنت ملكش أمارة .. علىّ ..
وتطور الحديث .. فصفعتها .. ونسيت أننى أجير عندها ..

وجلست منزوية تبكى صامتة ولم تسبنى أو توجه إلىّ أى كلام .. وإنما أخذت تشهق ..

***

وكنت أنتظر بعد هذا أن تطردنى من عملى فى الطاحونة ولكن لم يحدث شىء مما توقعته .. وظللت أعمل وأكافح حتى تحسنت الأحوال ودار الوابور وتك .. وأخذ نساء القرية يعدن إلينا بالتدريج ثم كثرن حتى ضاق بهن حوش الوابور ..

وحدث أن تعطلت بعض وابورات الطحين فى القرى المجاورة .. فجاء أهلها إلينا .. وزاد العمل .. وتضخم ..
وأحدثنا تغييرا مطلقا فى العدد .. وتصميم الوابور ..

***

وكانت النار تشتعل فى قلبى وقلب نجية .. فتزوجتها لا لأطفىء هذه النار بل لأزيدها اشتعالا ..

وفى صباح ليلة الزفاف .. سمعت الحجر الثانى يدور فى الطاحونة فابتسمت .. وأدركت أننا دخلنا .. فى حياة جديدة ..

===============================
نشرت القصة بمجلة الجيل فى 19/9/1955 وأعيد نشرها فى مجموعة قصص لمحمود البدوى بعنوان " الأعرج فى الميناء " وفى مجموعة " قصص من القرية " ـ مكتبة مصر
===============================