الثلاثاء، 2 يناير، 2007

ص 20 القرية الآمنة ـ قصة قصيرة ل محمود البدوى

القرية الآمنـة

قصة محمود البدوى


قال رسـول الله ـ عليــه الصـلاة والسـلام ـ فى عمـر بن الخطــاب .. " لم أر عبقريا يفرى فرية " .. ولم نر بطل قصة مثل عبد المنعم أفندى الذى تدور حوله حوادث القصة ..

أرسله والده بعد البكالوريا إلى فرنسا ليدرس الطب ، وعاد من مونبلييه فى السنة الثانية من دراسته لنشوب الحرب العالمية الأولى ولوفاة والده لأنه وحيد أبويه من الذكور .. وقد ترك له أبوه أخوات شقيقات لم يتزوجن بعد وأعباء العمل فى الريف ..

وقد عاد ليرعى الشقيقات أكثر من عودته لأرض والده ، وكان أبوه عمدة وجده عمدة ..

فلما عرضوا عليه العمدية لم يتحمس لها أولا ، ثم خشى على حال الفلاحين فى قريته من الأسماء التى كانت معروضة .. خشى أن يجىء من يسومهم بجهله وسطوته العذاب ، فقبلها كرسالة يبلغ بها ما يريد لمن فى رعايته ، فقد وضع فى عنقه طوقا لايشعر به الكثير من الناس .

وكان الإنجليز يحكمون البلاد بغطرستهم ويسيطرون سيطرة كاملة على البوليس ـ ولهم طريقتهم فى القمع لمن يقف فى طريقهم ـ ومع أنهم لم يصلوا بسطوتهم إلى الصعيد وإلى ريفه على الأخص ، لأن الريف بعيد عن المظاهرات والاجتماعات ..

مع هذا .. فإن أول شىء فعله عبد المنعم أفندى وهو عمدة .. ألا يعرض أحـدا من أهـل بلده إلى هوان أو عدوان فى مركز أو مديرية .

وكانت قريته تقع على النيل مباشرة فى الخط الشرقى بعيدا عن شريط السكة الحديد .. ووراءها وبجانبها قرى كثيرة .. يصعد بعضها إلى الجبل الشرقى ..

وتكثر فى هذه القرى حوادث القتل والسلب والنهب والسطو على العزب وسرقة المواشى .. فى النهار والليل ، فأصبحت قريته وسط كل هذه القرى .. يصيبها من رشاشها وبلواها الكثير .. ولكنه وقف بحزم وصرامة ليبعدها عن مساوىء هذا الجوار .. ولتظل القرية آمنة .

وكان يعرف أن حوادث السرقة تحدث فى الليل للمواشى وهى عائدة من الحقول ، أو عندما تكون مربوطة فى الزرائب .. والذى يعود بالمواشى عادة هم الغلمان وفى أيديهم العصى ويوضع فى أيديهم السلاح ، وأرسل من الخفراء من يحرسهم على الجسور .. وعمل للزرائب دوريات وكان هو على رأسها ..

وكان للقرية سوق فى يوم السبت .. ومن الساعة السابعة صباحا يكون هو فى السوق .. ويكفى أن تهل طلعته لتستقر الأمـور ..

وكان يجعل التجار الأغراب الذين يبيعون القماش ولوازم الفلاحين .. يطوون بضاعتـهم ويرجعون إلى بلادهم قبل ظلمة الليل .

وأنار القرية كلها بالفوانيس .. الفوانيس مقامة على رأس الدروب ووسطها .. وجعل الفلاح القادر يدفع لغير القادر .. فى تكاليف هذه الانارة وصيانتها ..

كما خصص لكل ضرب من يعنى بنظافته من روث البهائم العائدة من الحقل .. ومن التراب والهباب .. فبدت القرية متألقة نظيفة كأنها من قرى فرنسا ..

وعندما يعلو النيل فى زمن الفيضان .. تكون شهور الأمان فى كل القرى .. لأن النيل يغمر الحقول والحياض بزبده الأسود وتمتلىء الحياض ويصبح السير على الجسور فقط .. فيتحدد خط السير بالنسبة للصوص ، ولذلك يتوقف نشاطهم فى هذا الفصل من السنة .. يتوقف كلية .

ومع هذا فإن عبد المنعم أفندى كان يخرج بجواده ومعه شيخ الخفراء وبعض الخفراء على الحمير .. ويمرون بكل العزب المجاورة .. ويقطعون الجسر بكل طوله ودورانه .

وكانت له هيئة على الجواد كفارس .. حتى انك تعجب كيف سيكون هذا طبيبا لو أتم دراسته .. مع أنه لايحمل شيئا من طباع الطبيب ولا خصائصه .. وإنما خلق ليكون فارسا بكل طبـاع الفارس .

***

وكان العمد فى القرى المجاورة يحسدونه على حزمه وسطوته .. وطريقته فى معالجته الأمور .. ويقولون أنه يستعين بقطاع الطرق ورجال الليل فى إعادة المسروقات ..

ولكن ببصيرته وحدة ذكائه وخبرته كريفى .. كان يصل إلى أشياء كثيرة يجهلها الناس .. فسارق الجاموسة التى يجرها غلام .. لا يسطو على عزبة !.. وقاطع الطريق لتاجر القمـاش العـائد من السوق على حمـار .. لايسـطو على خزانة ..!

ولذلك كان يتوصل سريعا إلى معرفة المصدر ..

***

وزاره الشيخ عبد اللطيف ودعاه إلى فرح ابنه .. فسر العمدة وبارك الابن ..

وقال الشيخ عبد اللطيف كالمتردد لأنه يعرف طباع العمدة ..
ـ وتسمح يا حضرة العمدة .. سنجىء بغازية ..؟
فردد العمدة :
ـ غازية ..!!

واضطرب الشيخ عبد اللطيف .. لرنة الاستنكار التى لاحظها فى صوت العمدة ..

ـ أيوه .. يا عمدة ..

ولانت ملامح العمدة وتطلع إليه مبتسما .. وسأله :
ـ ياشيخ عبد اللطيف .. ولكن أرجوك أن تنومها بعد الفرح .. فى بيتك .. ولكن ليس فى سريرك ..!!

وضحكوا ..

ـ ستنام يا عمدة .. عند جليلة ..
ـ أحسنت الاختيار .. فجليلة بيتها نظيف وزوجها مسافر .. ولماذا البيات وخليها ترجع البندر فى نفس الليلة ..
ـ الغازية .. ستمكث هنا اسبوعا .. يا حضرة العمدة ..
ـ أسبوع ؟! .. ولماذا كل هذه المصاريف ..؟
ـ طلب الحريم .. يا عمدة .. والابن وحيد ..
ـ ربنا يبارك ويجعله فرح القرية كلها ..

***

وقبل منتصف الليل .. وفى أول ليلة من ليالى الفرح أطل العمدة على المكان فوقف الحاضرون جميعا وخيم الصمت .. ثم أخذ العمدة يصافح الموجودين من أهل القرية وبارك أهل العروسين ..

وقالت الغازية .. عندما رأته .. للشيخ عبد اللطيف ..
ـ من هذا الذى وقف له الناس جميعا ..؟
ـ إنه العمدة ..
ـ سأرقص أمامه ..؟

فرد الشيخ عبد اللطيف ..
ـ حاذرى .. سيدبحك ..

ولكنها مشت متهادية بكبرياء تحرك صاجاتها وتهز وسطها لترقص أمامه .. ترقص له وحده ..

ووقفت أمامه فعلا .. وعندما أصبحت على بعد خطوة منه .. شعرت بهيبته .. فتخشبت ولم تبد .. حركة واحدة ولا رنة صاج .. وزاغت عيناها .. واضطربت .. وظلت فى مكانها جامدة كالتمثال .. وخيم الوجوم على السامر ..

ثم سمعت من يصيح بها .. ويصفق لينقذ الموقف وأمسك بيدها الشيخ عبد اللطيف .. وحركها إلى صف شباب القرية .. ورقصت أمام عدلى أصغر أبناء العمدة طويلا لتخفى خجلها مما حل بها .. وداعبها عدلى بالحديث ونقطها ليسرى عنها ..

***

ودخل العمدة بيته على غير عادته يصلى العصر .. وكان يصليه تحت فى الدوار .. فوجد صالة البيت ممتلئة بالفلاحات .. وأصابهن بمرآه ما يشبه الذعر .. فاضطر أن يعود من حيث أتى ويصلى تحت .. وفى الليل قال لزوجته وظل ابتسامة مع نبرات صوته :

ـ أليس هـذا العيب وأنت المتـعلمة أن تؤمنى بالخرافــــات ..؟
ـ أية خرافات ..؟!
ـ رأيت فلاحة تتخطى عقدا من الخرز .. لتحمل ..! وكل هؤلاء جئن للحمل ..!!
ـ أجل ..

وضحكت .. زوجته بعزوبة ..
ـ أعرف أنها خرافة .. ولكن إيمانهن بهذه الأشياء يجعلها أكثر نفعا لهن من كل أدوية الطب .. إنهن يسترحن نفسيا بعد تخطى هذه التعويذة .. ولا شىء فى هذه التعويذة على الاطلاق ينفع الحمل .. وهن يأتين إلى هنا .. بعد أن فقدن الخير من الطب كما يذهب الناس إلى أضرحة الأولياء بعد أن يفقدوا الخير من القائمين عليهم ..

واستطردت بابتسامة .. وفى صوتها حماسة ..
ـ شكوى من مظلوم ومضطهد ومعذب لصاحب الضريح .. بعد فقد الثقة فى كل الناس .. ولو كنتم تنفعون الناس ولمسوا منكم صلاحية مالجأوا للأضرحة قط .

ـ ولكنا ننفعهم أو بعضنا ينفعهم على الأقل .. لاتجعلينى أشعر بالمرارة ..!

ـ لا أتكلم عنك .. وسيرتك على كل لسان .. ووجود هؤلاء النسوة فى بيتك هو انتصار لك ..

ـ ولكن من أعطاك هذه التعويذة .
ـ جدتى .. رحمها الله ..!
وضحك ..

***

وذات ليلة سمع الخفير فى الدرك صرخة .. وعلى أثرها أقدام شخص يعدو فى الدرب بسرعة وجرى الخفير وراءه .. وكانت المسافة بينهما طويلة .. وخشى الخفير ألا يلحقه ويمسك به .. لأن من يلاحقه كان أسرع منه جريا .. وخشى من كان يجرى أن يلحقه الخفير والدرب مضاء بالفوانيس فأطلق طلقة على أول فانوس صادفه فأطفأه .. وخيمت الظلمة .. وساعدته هذه على الجرى أكثر .. حتى خرج من الدرب والقرية إلى الفضاء الواسع .. وأصبح لايسمع أقدام الخفير وراءه ولاحسه ..

وأول شىء صادفه فى الظلمة الطاغية .. بعد أن خرج من القرية وهو يعدو .. مبتعدا عن الجسر .. بياض أجران القمح .. وتذكر الشيخ عبد المطلب حارس الأجران .. فشعر قلبه بالاطمئنان والأمان .. فأسرع إليه ودخل عريشه ..

وكان الرجل الطيب قد سمع الطلقة التى لم يسمع مثلها منذ سنوات .. ورأى الرجفة فى وجه الشاب .. فلم يسأله لحنكته عن شىء وأخذ يرحب به ثم فرش له لينام .

وكان العمدة قد سمع الطلقة التى لم يسمع مثلها منذ سنوات .. ورأى الرجفة فى وجه الشاب .. فلم يسأله لحنكته عن شىء وأخذ يرحب به ثم فرش له لينام .

وكان العمدة قد سمع الطلقة فى أثناء جولته المعتادة بخفرائه ورأى الشبح وهو يجرى ويدخل الأجران .. وعلم أن الطلقة انطلقت فى الدرب وأطفأت الفانوس .. وأن خفير الدرك لم يستطع أن يلحق بمن أطلق النار .. بسبب موقعه من الدرب فى ذلك الوقت .. فقد كان فى جنوبه عندما انطلقت الطلقة فى شماله .. وأنه فى تحركه أمام أبواب الدرب سمع صرخة خرجت من فم امرأة مذعورة ..

فجرى نحو مصدر الصوت .. وقرع ثلاثة أبواب فى الدرب متلاصقة .. حددها كمصدر للصوت .. ولكن واحدة من الثلاث لم تحدثه بأنها صرخت .. وعندما جاء شيخ الخفراء كان نفس الرد ..

وكان هذا الانكار متوقعا من النسوة الثلاث .. فلم يلح عليهن شيخ الخفراء .. ما دام الصراخ اقترن برجل دخل البيت فى عتمة الليل وسكونه .. ولم يكن هذا الرجل لصا .. لأنه ليـس فى هذه البيوت الثلاثة ما يغرى اللص على السرقة ..

ووقف العمدة بجواده على الجسر .. يرقب الشبح وهو يدخل بين صفوف الأجران المتراصة .. فأطلق طلقة فى الهواء .. وسمع صوت الشيخ عبد المطلب .. يثنيه عن المضى فى الضرب فكف .. ونزل من فوق الجسر واتجه إلى الأجران ..

ووجد العمدة الشيخ عبد المطلب جالسا على جرن مدروس .. بعيدا عن العريشة فترجل عن جواده وسلم عليه وصرف الخفير بالجواد فقد انتهت جولة الليل .. وشد الخفير الجواد والحمار وانطلق إلى الحوش ..

وقال الشيخ عبد المطلب :
ـ مرحبا .. يا عمدة ..
ـ مرحبا .. يا شيخ عبد المطلب .. لقد عرفت صوتك .. وأقلعت بعدها عن الضرب ..

ـ الحمـد لله .. فعلــت الخير .. فمن كان يجرى لم يكن لصا ..!!

ـ من يكـون الذى يجــرى فى ظلمـة الليل .. إن لم يكن هذا ..؟

ـ يكون يجرى من الكلاب .. او من الخوف .. الليل رهيب ياعمدة فى الريف .. ولهذا تخرج أنت وتقوم بدورتك الليلية لتشيع الأمان فى قلوب الناس .. وتطرد عنهم شبح الخوف .. الخوف رهيب يا عمدة ..

ـ ولماذا أطلق النار ..؟
ـ النار أطلقها على فانوس ..! لأول مرة يشعر الإنسان بأن الظلمة .. أحسن من النور .. ولماذا خلق الله الظلمة ..
ـ وأين هو يا شيخ عبد المطلب ..؟
ـ إنه عندى ..
ـ أريده وجئت لآخذه ..
ـ فى الصباح .. سآتى به .. وأسلمه بيدى ..
ـ ولكن جئت لآخذه الآن ..

ـ لقد احتمى بى يا حضرة العمدة .. وأنت تعرف طباع الفلاحين فى مثل هذه الحالة ..
ـ وأنت تعرف طباعى يا شيخ عبد المطلب .. ولم يحدث قط أن أفلت مذنب أبدا من قبضة يدى ..

ـ إنه غير مذنب .. فلا هو لص .. ولا سارق .. ولا قاتل .. ولا رجل ليل .. ليس من هذا الصنف من الناس إطلاقا .. ليس من هـؤلاء إطلاقـا .. وحتى لو كـان من هؤلاء واحتمى بى فأنا لا أسلمه ..

خرجت من فم الشيخ عبد المطلب هذه الكلمات الأخيرة كالقذيفة .. وتغير لونه ..

وظهر الغضب على وجه العمدة .. فلأول مرة فى حياته يسمع مثل هذا التحدى الصارخ .. ولأول مرة يعجز عن تنفيث غضبه أمـام وجه الشيخ المضاء بنور التقوى .. وأمام شيخوخته المتهالكة ..

وأدرك الشيخ عبد المطلب عجز العمدة عن تنفيث غضبه .. وأنه أخطأ فى التعبير .. وشعر بالأسى يحز فى نفسه .. وأخضلت عيناه بالدموع ..

وقال العمدة يسرى عن الشيخ عبد المطلب ويلاطفه :

ـ الطلقة يا شيخ عبد المطلب زلزلت كيان نفسى الساكنة .. ولابد أن أعرف مصدرها وسببها لأستريح ..
ـ ستعرف وتستريح .. فاطمئن ..

ونهض العمدة وسلم على الشيخ عبد المطلب .. ولأول مرة يدخل بيته كاسف البال حزينا .. ولاحظت زوجته ذلك .. ولكنها لم توجه إليه أى سؤال ..

وأدركت بفطنتها أن الطلقة النارية التى سمعتها هذه الليــلة أطفأت النـور والأمان اللذين كانا يضيئان سماء القرية .

***

وقبل نور الفجر .. تسلل عدلى أصغر أبناء العمدة من عريشة الشيخ عبد المطلب وهرب من القرية .

ولما علم الشيخ عبد المطلب بأن عدلى خرج من العريشة فى فحمة الليل وهرب .. شعر بالأسى الشديد والألم .. لأنه لم يستطع أن يوفى بوعده للعمدة .. ويسحب عدلى من يده ويسلمه لوالده ولكن الابن خذله وضيع كل ما دار فى رأسه من خواطر ..

لقد كان يود من تأخير اللقاء بين الولد وأبيه إلى الصباح .. أن تهدأ ثورة الغضب فى الوالد بعد الطلقة وظرف الساعة .. وأن يجلوها الصباح .. ويحق له فى هذه الساعة أن يسترحم ويرجو الصفح ..

ولكن عدلى خذله وهرب .. وجعله يقف هذا الموقف الشائن لأول مرة فى حياته .. ولا يدرى الآن كيف يواجه العمدة أو يواجهه العمدة .. فرش الحصير أمام العريشة بعد أن توضأ وصلى ..

***

وفى الصباح علم العمدة .. بأن الذى كان مختبئا فى عريشة الشيخ عبد المطلب هو ابنه عدلى .. وأنه غافل الشيخ عبد المطلب فى سحرة الليل وهرب ..

وأرسل العمدة وراءه من يبحث عنه فى كل القرى والعزب المجـاورة .. ولكن عـدلى ترك المنطـقة كلها وسـافر إلى جهة بعيدة ..

وظل عدلى هاربا .. وخيم الوجوم على بيت العمدة .. وكانت والدته أشد الناس حزنا .. وحل بها المرض والصمت الأخرس .. كانت تود أن تلوم زوجها ولكنها لم تستطع .

وأرسل العمدة ابنه توفيق ليبحث عن عدلى فى القاهرة عند كل الأهل والصحاب ومن يعرف أنه يتردد عليهم .. وعاد توفيق بعد ثلاثة أسابيع دون أن يقف له على أثر .

وضاعف ذلك من هول الموقف .

***

وكان عدلى قد كشف سره كله وحكى للشيخ عبد المطلب كل مـا حـدث فى هذه الليلة .. ولماذا أطلق النار على الفانوس ..

كان قد واعد " الغازية " وهى ترقص فى اليوم الرابع من الفرح .. على زيارتها فى الليل فى بيت جليلة حيث تنام كل ليلة .. ولم يدخل البيت من الباب .. وإنما قفز اليه من شونة تبن .. وشونة التبن أوصلته إلى بيت الدلالة بدلا من بيت جليلة التى تقيم عندها الغازية ..

وجاءت الصرخة من الدلالة .. فتراجع عدلى سريعا خوفا من الفضيحة وأصبح فى الدرب .. ولما شعر بالخفير وراءه أطلق النار على الفانوس .. وجرى كل ما جرى بعد ذلك .. بالصورة التى أرادها القدر .. فالبيوت الثلاثة المتلاصقة والمتشابهة فى أسطحها وبنيانها عصمته من الزلل ولكنها أوقعته فى حيرة ولقنته درسا لن ينساه .

وطمأنه الشيخ عبد المطلب وسرى عنه .

وكتم الشيخ عبد المطلب السر الذى حدثه به عدلى ..
ولما شاع الخبر فى القرية على وجوه كثيرة ، نفاه كلية .. وقال لهم إن عدلى سافر فجأة لأنه سرق مبلغا كبيرا من خزانة أبيه .. ومع ذلك ظلت الأقاويل تدور .. ثم أنستهم الأيام بضجيجها وطحنـها بعض أو كل ما حـدث فى هذه الليلة .

***

وذات ليلة خرج العمدة فى جولته الليلية المعتادة ومعه خفير واحد .. وأبعد هذه الليلة حتى خرج عن نطاق القرية وحدودها إلى حدود القرى المجاورة .. وكان الليل صحوا لاتلبده الغيوم .. ولكن ريح الشتاء عاصفة ..

وفجأة دوت طلقات نارية شديدة .. اختلطت مع أزيم الريح وأصبحت كعواء الغيلان .. وتنبه الجميع للصوت الجديد الذى لم يألفوه فى حياتهم ولا عهد لهم به .. واستيقظ من كان نائما .. وتحرك من كان جالسا .. ومشى من كان واقفا .. وجاء الخبر أسرع من البرق ..

ـ عبد المنعم أفندى قتل ..
ـ كيف ..؟!
ـ دخل فى معركة رهيبة مع اللصوص فى باطن وادى الجرف .. وقتلوه ..

وتحركت الجموع على الجسر من أهل القرية ومن أهالى كل القرى المجاورة كانوا يسمعون به ويحبونه جميعا لعدله ونظامه ورحمته بالضعفاء وشدة بطشه بالأقوياء .. ويعتبرونه عمدتهم الحقيقى .. وكم ذهبوا إليه للحكم والمشورة .. والنصيحة .. وما خالفوه أبدا فى كل ما حكم وقرر .. وكم كان حكمه صائبا .. ورأيه عظيما .. كم كان ذلك .. ولهذا أحبوه وخرجوا الآن لملاقاته حيا أو ميتا ..

سدت الجموع المتحركة الجسر وتحت الجسر .. وثار التراب والغبار وأصبحت الرؤية مع ظلمة الليل .. ضعيفة ولكن الجموع ظلت تتحرك فى إصرار ..

وبرز من تحت الجسر .. الحصان الأشهب ، حصان عبد المنعم أفندى وعليه فارسه .. كان متلفعا من الريح والغبار .. ولكن عينيه كانتا تبرقان فى الظلمة بوهج شديد .. وهج الانتصار ..

وكان الخفير وراءه يربط ثلاثة فى رسن الحمار .. ثلاثة من اللصوص .. جرح منهم اثنان .. واستسلم الثالث بكامل قوته وسلاحه .

وكان قطيع الماشية المسروقة وكله من خيار البقر .. قد دفعه فارس الجواد ناحية .. حتى يستوى على الطريق السهل الموصل للقرية .. وفى الساحة الواسعة وأمام دوار العمدة ، سيأتى أصحاب هذا القطيع وكلهم من القرى المجاورة لاستلام بقرهم وثيرانهم .. لايوجد فى هذا القطيع بقرة واحدة من قريته .. وكم شعر بالفرح لهذا ..

هللت الجموع على الجسر وصفقت وأطلقت الأعيره النارية ابتهاجا بعودة العمدة وانتصاره .

***

وفى الخريف .. عندما يتساقط ورق الشجر فى القرية .. وتسكن الريح .. سمع أهل القرية جواد عبد المنعم أفندى وهو يصهل .. صهل ثلاث مرات .. فى نغم واحد .. وكان بعد كل صهيل يحرك رأسه ..

وتنبه الناس لصهيل الجواد .. كان عبد المنعم أفندى وحده على الجسر .. لم يكن معه خفراء ..

وأمام ساحة الدوار .. اعتمد على ساعد ابنه توفيق وهو ينزل من فوق الحصان ..

وفى الليل شعر بدبيب المرض وكانت زوجته تروح وتجىء كالمجنونة فى رحبات الدار .. تقدم له هذا الشراب وتمنع ذاك ..

واشتاق إلى عدلى .. بلوعة الأب لابنه .. وفى صباح فتح عينيه ووجد عدلى بجواره يقبل يديه ويمرغ رأسه فى صدره .. ومسح الأب بيده على رأس ابنه .. مسح بيده على رأس ابنه وكأنه يباركه ويدعو له .. أو كأنه يسلمه الزمام .. فقد كان توفيق مشـغولا بكليتـه فى الزراعـة وطيبا إلى درجة لاتؤهله لمسك الزمام ..

***

ولم يطل مرض عبد المنعم أفندى .. وقبل أن ينتهى الخريف اسـتراح مـن كل الأعبـاء .. وكانت جنازته كحياته شغلت كل النـاس ..

***

وبعد أيام الحداد .. شاهد أهل القرية ابنه عدلى على الجسر .. فوق الجـواد الأشهب ومعه ثلاثة من الخفراء .. وفى أيديهم السلاح ..
=================================
نشرت القصة بصحيفة أخبار اليوم المصرية فى 8 سبتمبر 1984 وأعيد نشرها فى كتاب " الغزال فى المصيدة " لمحمود البدوى عام 2002
=================================



ص 19 الطبيب ـ قصة قصيرة ل محمود البدوى

الـطبـيـب

قصة محمود البدوى


حدث منذ سنوات بعيدة .. أن سطا ثلاثة من عتاة اللصوص ـ فى ليلة شتوية مظلمة ـ على قصر ثرى من أثرياء الصعيد ..

وتنبه لهم خفراء القصر رغم شدة الظلام .. أحس بهم الخفراء قبل أن يصلوا إلى الخزانة .. واشتبكوا معهم فى معركة نارية ..

ولكن اللصوص كانوا أشد مراسا وأقوى سلاحا ..

فاضطر صاحب القصر لنفوذه أن يستنجد بعساكر المركز والمديرية وأسرعت قوة كبيرة وحاصرت اللصوص وقبضت عليهم .. ولكنهم كانوا فى ساعة الاشتباك قد قتلوا اثنين من العساكر وجرحوا ثلاثة .

وسيق اللصوص الثلاثة إلى المركز فتلقفهم العساكر بالضرب المبرح والركل انتقاما لما حدث لزملائهم فى المعركة واشفاء لغل صدورهم .

***

وحول اللصوص والدماء تنزف منهم إلى السجن .. وخشى مدير السجن المغبة لشدة الاصابات وأكثرها ظاهرة للعيان .. فحولهم إلى المستشفى الحكومى .

وكشف عليهم الطبيب المختص ودون كل ما وقع عليه نظره ولمسه كطبيب خبير من إصابات وجروح فى اللحم والعظم .. كتب هذا فى تقرير دقيق مفصل .

وشاع كل ما كتب فى التقرير فى أرجاء المستشفى بعد ما رفعه الطبيب إلى رئيسه مدير المستشفى .

وكان حكمدار البوليس فى مكتب مدير المستشفى بسبب ما وقع .. فاطلع على التقرير وهاله ما دون فيه ونهض مسرعا إلى حجرة الطبيب وفى عينيه شرر الغضب ..

وابتـدره بقوله فى غلظـة :
ـ ما هذا .. يا دكتور ..؟!

ولوح بالتقرير ويده ترتعش غضبا .

ورد الطبيب بهدوء مالكا أعصابه
ـ تقرير من طبيب مختص عن اصابات حدثت للناس .
ـ ولكن هؤلاء الناس لصوص .. وقتلة .
ـ القتلة ستحاكمهم المحكمة يا سعادة الحكمدار على جريمتهم ولا أحد غير القضاء هو المختص بمحاكمتهم .. فلا أحاكمهم أنا ولا سعادتك .

ـ ولكن التقرير فظيع .. وواضح الإدانة على العساكر .
ـ دونت الحقيقة خالصة من كل غرض .
ـ لم يحدث مثل هذا فى تقرير يكتبه أطباء الحكومة .
ـ لكنه حدث ..
ـ تقول هذا بكل هوء وأنت لاتعرف العواقب .
ـ لو فكرت فى العواقب .. ما زاولت هذه المهنة قط .

ولانت ملامح الحكمدار وغير من لهجته تحت إصرار الطبيب وعناده .

ـ يا دكتور .. أنت فى سن ابنى مراد .. وأنا أنصحك الآن كما أنصح ابنى .. وأرى لصالحك أن تغير من بعض ما كتبته فى هذا التقرير .
ـ هذا لايمكن أن يحدث .
ـ هل فكرت أن هذا سيذهب بهيبة السلطة .. ويشل حركتها .. وإذا ضاعت الهيبة ضاع الأمن فى البلد .. وبهذه الهيبة نحميك أنت قبل أن نحمى غيرك .
ـ ليس الأمر على النهج الذى تصورته سعادتك .. ولو اتبع من بيده القانون لاستراحوا وأراحوا .
ـ يعنى نترك المجرمين والقتلة وقطاع الطرق يعيثون فى الأرض فسادا .. وإذا وقعوا فى أيدينا نربت " نطبطب " على ظهورهم .
ـ لم أقل هذا ولا أقبل أن أدافع عن مجرم ولا سفاح .. ولكنى أقرر الحقيقة كطبيب .. فى عمل من أخص خصائص مهنتى .. فمن الذى يكشف عن الجريح . الطبيب أو غيره ..؟ انه عمل الطبيب وحده .
ـ ولكن ما كتبته سيجر .. إلى أمر لاتدركه أنت فى هذه الساعة سيجر إلى ضياع السلطة وشيوع الفساد .

وأشعل الحكمدار سيجارة .. واستطرد :

ـ طيب عدم بعض العبارات .. مثل جرح عميق بطول .. وتهتك فى قفص الصدر .. وكسر فى الترقوة .. ومثل هذا كثير يحتاج إلى التعديل .
ـ ولا حرف .
ـ يابنى .. تعبت معك .. سأرى مدير المستشفى وقد يثنيك عن عزمك .. وتقبل منه النصح .

وجاء مدير المستشفى ولكن الدكتور " اسماعيل " ظل على إصراره ورفض .

وأخيرا قال له المدير :
ـ يا بنى أنت متزوج حديثا .. وأصبحت أبا لطفل .. وعليك مسئولية الأبوة .. وأرجو أن تقدر المئولية .. وأنت لاتعرف ما يجرى تنقصك التجارب .

وسقط مدير المستشفى فى نظر الطبيب الشاب .. سقط سقطة أبدية .

وسأل الطبيب الشاب مديره :
ـ وما الذى تريده منى ..؟
ـ تغير من لهجة التقرير الحامية ..!
ـ أغير الحقيقة .. وأكتب الباطل .. أزور .. هل هذا هو ماتعلمته من الدكتور عبد العزيز اسماعيل .. والدكتور على ابراهيم .. والدكتور محمد صبحى .. والدكتور أحمد شفيق .. هل تعلمت من هؤلاء الأفذاذ التزوير .. حتى أكتبه .. حرام عليكم حرام .. وحرام أن يصل الهوان بنا إلى هذه الدرجة .
ـ يعنى تصر على رأيك ..؟
ـ إلى يوم القيامة ..

وتناول المدير التقرير وخرج غاضبا .. وعلم زملاء الدكتور اسماعيل بما حدث .. فانقسموا قسمين قسم رأى التغيير .. وقسم رفض .

وشاع أمر التقرير فى المستشفى بين المرضى والجرحى والممرضات والأطباء .. كان ما فعله الدكتور إسماعيل بقوله الحقيقة هو شىء شاذ وغير مألوف فى حياة المستشفيات .

***

وعندما رجع الدكتور إسماعيل إلى بيته .. لاحظت زوجه حاله .. وعلمت بالخبر .. فظهر على وجهها الألم .. وحاولت كتمان آلامها فى تحركاتها فى الشقة وانشغالها بطفلها وعملها البيتى .

ثم لما سألها عن رأيها قالت له :
ـ من رأيى أن تنزل عند رغبتهم .
ـ هكذا بكل بساطة ..!
ـ نعم ..
ـ يا لخيبتى فيك .. كان يسعدنى أن أسمع عن سيدة مصرية من هذا الجيل وقفت بجانب زوجها فى وجه العاصفة حتى تمر .
ـ أنت تعيش بخيالك وبعيدا عن عذاب العيش ولقمة العيش وهو الشىء الذى تشعر به المرأة .. وتعمـل له الحساب قبـل الرجـل .
ـ ولماذا هذا المنظار الأسود .. وتتوقعين الشر ..؟

ـ لأنى أرى فى كل ما حولى .. انتصار الشر .. وسيبقى صراع الخير والشر أزليا .. سيبقى الصراع أبديا إلى قيام الساعة ، وتلك إرادة الله وحكمته .

ـ ولهذا علينا أن نقاوم الشر بكل ما أعطانا الله من قوة .. حتى نقضى عليه .

ـ لو أراد الله الخير الخالص فى هذه الدنيا .. لما أبقى الشيطان فى الأرض بعد أن عصاه وأخرجه من الجنة .. أبقاه يعيش مع الإنسان فى الأرض لأنه جل وعلا هو الذى خلق الإنسان ويعرف طبيعة تكوينه عندما ينزع إلى الخير .. وعنـدما يكون شرا من الوحش فى ضراوته إذا نزع إلى الشر ..

ـ يعنى أبقى الشيطان على الأرض لأن الحياة الدنيا لاتستمر فى مسيرتها بغير شيطان وشياطين ..!

ـ نعم .. والا فكيف تختلف عن الجنة .. فى الجنة النعيم المقيم .. وفى الأرض الخير والشر وإذا قاومت الشر وحدك وأنت ضعيف ستخذل حتما .. تلك سنة الحياة .

ـ ولكن أشعر بكل الناس معى .

ـ أين هم .. أنى لا أرى حتى زميلا لك من أطباء المستشفى .. جاء ليزورك ..؟
ـ سترينهم .

وسمعت قرعا على الباب فمشت اليه وهى تتوقع زيارة صديق ممن يزورنه فى بيته .. ولكنها وجدت خالة لها قادمة بزيارة من الريف فانشغلت بها .. ودخل إسماعيل إلى حجرته بعد أن حيا الضيفة ورحب بها .

وفى اليوم التالى زاره وكيل الحكمدار فى بيته .. وكان الدكتور اسماعيل يتصور أنه جاء ليرجوه كغيره تغيير ما كتبه فى التقرير .. ولكنه وجده يشجعه على شجاعته ووقوفه فى وجه العاصفة التى أثيرت حوله .

وأخيرا قال له وكيل الحكمدار فى حماسة وهو يبتسم :
ـ يابنى أنت لم تر جدك " عبد المنعم " ولكنى رأيته .. فيك كل طباعه وكل صفاته .. أنا كنت ضابطا صغيرا فى النقطة ببلدكم .. وطوال مدة خدمتى فى النقطة والمركز لم يدخل فلاح واحد من أهل قريتكم نقطة ولا مركز .

عاش جدك عبد المنعم ومات وهو عمدة ولم يذهب فى حياته فلاح واحد من أهل القرية نقطة ولا مركز .. وكان يقول لى :

ـ أهين أهل بلدى .. وأجرهم إلى سجن المركز .. لا .. قد يخرج الطيب منه شريرا فى يوم وليلة .. لا لن يحدث هذا وأنا بصحتى أن وظيفتى كعمدة فى حسم الأمور هنا .. وإلا فلا خير فينا للناس المساكين الذين لاحول لهم ولا قوة ..

كان يعالج الأمور بطريقته الفذة .. سرقت جاموسة من " شريفة " وجاءت تشكو له ..

فيقول لها بابتسامته الوضاءة :
ـ طيب روحى يا شريفة .

وفى الصــباح التــالى تعــود الجاموسه إلى بيت " شريفة ".

وهكذا ما يحدث من سرقة وعراك مع الفلاحين .. وما يحدث فى سوق القرية .. وفى غيطانها ونجوعها .. وفى زمن الفيضان وفتح الخزانات .. والنزاع على الرى .. وجنى القطن .. وضم المحصول .. وحراسة الأجران والجسور ..

مئات الأشياء التى كان ينهيها بقوة مراسه وهيبته وتجاربه ومعرفته بخلق الفلاحين وطباعهم .

وكانت قريتكم أول قرية أضيئت شوارعها بالفوانيس وأول قرية لم تحدث فيها حادثة قتل واحدة طوال مدة حكمه التى جاوزت عشرين عاما .. كنا نسميها القرية الآمنة .. فأنا يا بنى لم أدهش لفعلتك ولم أستغرب كما فعل غيرى فأنت خليفة والدك وجدك .

وشكر الدكتور اسماعيل وكيل الحكمدار وسره أن يكون من رجال القوة فى المديرية من هو على هذه الصفات الحميدة .

***

وبعــد ثلاثة أســابيع نقـل الدكتــور إسماعيــل إلى " أرمنت " .

ولما علمت زوجته بأمر النقل تركته إلى أهلها .. ووقف هو على رصيف المحطة وحده ينتظر القطار الذى سيقله إلى مقر عمله الجديد .

ولمح شبحا يتحرك فى سكون الليل .. والسنافورات تتحرك والريح تعوى وتصفر فى الأسلاك ..

ولمــا اقتــرب عرف الدكتور إسماعيل أنه معاون المحطة ..

وقال المعاون وفى صوته رنة الأسى :
ـ جئت أودعك يا بنى وأسلم عليك وأحيى شجاعتك فى هذا الزمن النكود ..

ـ شكرا يا عم " سمعان " فيك الخير ..

ـ لا تتصور أنهم انتصروا عليك بنقلك .. أبدا أنت المنتصر والناس تتصور دائما لغباوتها .. أن الحق مطموس وضائع .. والشر ينتصر على طول الخط .. وهذا خطأ .

اذهب الآن إلى المدينة بعد ما عرفوا فعلتك تجد الجميع يفخر بك ويصفق لك .. دخلت فى قلوب الملايين .. وسترى هذا الأثر فى عملك لو فتحت عيادة خاصة .. الناس لاتنسى الشجاعة أبدا ولا موقف البطل .. ولا تغفر قط للجبان الرعديد .. حتى وان كانوا هم فى أعماقهم جبناء لأنهم يقدرون من عبر عن شعورهم وما عجزوا هم عن فعله .. ومن هنا تكون صفات البطولة للبطل . أنه الفرد الذى تكلم وعبر عن خلجـات الجماهير الضائعة فى تيه الحياة .

ولا تفكر بطريقتهم ولو ضربنا وعذبنا كل مجرم وسفاح .. ما كانت هناك محكمة ولا محاكم فى الأرض .

ـ شكرا ياعم " سمعان " ملأتنى ثقة فى جوانب نفسى .. ولكن أشد ما يؤلمنى الآن ألا أجد زميلا واحدا جاء ليودعنى على المحطة .

ـ اعذرهم .. يا بنى .. قد يكون لهم عذرهم .. وقد يعوضك الله فى مقرك الجديد من هو خير منهم .

ـ شكرا لكلماتك الطيبة .. شكرا ..
ـ جاء القطار .. وقد حجزت لك أحسن المقاعد .. وخذ منى هذا التذكار البسيط .

وتناول الدكتور اسماعيل التذكار من المعاون وعيناه مخضلة بالدمع ..

وكان القطار وهو يدخل المحطة يصفر وأنوار عرباته تتوهج فى الظلمة .
=================================
نشرت القصة بصحيفة أخبار اليوم المصرية فى 26111983 وأعيد نشرها فى كتاب " الغزال فى المصيدة " لمحمود البدوى 2002
================================
=


ص 18 عضة الكلب ـ قصة قصيرة ل محمود البدوى

عضة الكلب

قصة محمود البدوى


فى شتاء عام 1964 نقل طبيب الأسنان الدكتور " حسن بهجت " من القاهرة إلى وحدة صحية فى الريف ..

وكان الطبيب الشاب على عكس الأطباء الذين هم فى سنه .. والذين ينقلون من المدينة إلى الريف دون رغبة .. ودون تمهيد .. فيشعرون بالمرارة والضيق النفسى والقلق .. كان على عكسهم تماما .. فقد شعر بالبهجة .. والتفتح النفسى والتطلع الواسع .. وكان فى أعماقه يتوق إلى هذه التجربة الحية .. إلى العيش فى قلب الريف .. مادام قد عاش إلى هذه اللحظة مدنيا صرفا .. ليخرج بشىء لايجد مثله فى الكتب .

ولما كان غير متزوج فقد أقام فى السكن المخصص له بالوحدة .. وكانت القرية التى تقع فيها الوحدة من القرى الكبيرة والمواصلات إليها سهلة .. فهى قريبة من محطة السكك الحديدية .. ومن الطريق العام لسيارات الأجرة .. وأهلها وادعون مسالمون يشتغلون بالزراعة وتجارة المواشى .. وفيها سوق كبير يتجمع فيه أهل القرى المجاورة فى يوم الإثنين من كل أسبوع .. ويتبادلون السلع بكل الوانها وأشكالها ..

***

ولاحظ الطبيب الشاب شيئا فى المرضى الذين يترددون على الوحدة .. شيئا لم يلتفت إليه أولا .. ثم شد انتباهه بعد أن برز بوضوح كطلعة الشمس ..

لاحظ ندبة فى الصدغ الأيمن من كل رجل يدخل الوحدة .. ورأى أن الندبة برزت وأصبحت كالدمل المقروح فى وجوه الرجال فقط .. ولم يرها فى وجوه النساء والأطفال ..

وأدركه العجب وخرج يمشى على جسر القرية وبين دروبها ليتأكد مما شاهد فوجد الندبة ظاهرة فى وجوه الرجال .. وبارزة بوضوح .. واضطر بعد هذا التعميم أن يسأل أحد مرضاه عن سببها فعرف أنها عضة كلب .

ودخل شيخ البلد العيادة فرآه الطبيب وفى صدغه العضة .. فسأله فى استغراب :
ـ حتى أنت ياشيخ على ..؟
ـ حتى أنا يادكتور .. لم يترك الكلب رجلا فى القرية إلا عضه .
ـ الرجال فقط ..؟
ـ أجل .. وبفراسة شديدة .. اختار الرجال لفعلته وترك النساء والأطفال .. لم يقترب من أحد من هؤلاء .

ـ ومتى حدث هذا ..؟
ـ منذ أكثر من سنتين .. وبنظام وترتيب .. بدأ بالذين فى البيوت والدروب ثم خرج إلى الغيطان .. وكان يثب كالليث .. ويتخطى الحواجز .. ولم يعض إنسانا مرتين أبدا .. فعلها مرة واحدة .

ـ وقتلتموه ..؟
ـ أبدا .. لقد كان فى ضراوة الأسد وشدة بأسه .. فمن الذى يجرؤ على الاقتراب منه .. إنه هو الذى كان يستطيع قتلنا .. ولكنه اكتفى منا بترك هذه العلامة .

ـ وهل لايزال فى القرية ..؟
ـ أبدا .. خرج فى ليل ولم نعد نراه ..

وشغلت هذه الظاهرة العجيبة بال الطبيب .. واستغرقت كل تفكيره .. وكلما مشى على الجسر وشاهد الفلاحين العائدين بدوابهم من الغيطان .. والسائرين فى الدروب وعلى وجوههم نفس الندبة فى الصدغ الأيمن يتعجب ويتساءل .. قد يكون كلبا مسعورا ككل الكلاب المسعورة .. انتابته حالة سعار من مرضه .. ولكن لماذا التعميم والتخصص ..؟ أهو شيطان فى جسم كلب ..؟

وأخذ الطبيب يسأل الموظفين فى الوحدة وزملاءه الذين جاءوا إلى القرية فى زمن قبله .

فعلم أنهم هبطوا القرية ووجدوا أهلها على هذه الصورة .. ولم يشغلهم الأمر أو يستلفت نظرهم لأنهم ظنوها خلقة طبيعية .. ومنهم من سمع أنها عضة كلب .. ومرت الأيام وألف من فى الوحدة هذه الوجوه على حالها .

***

ولكن الدكتور بهجت .. ظل فى حيرة من أمر هذه الظاهرة .. وتعجب كيف تكون عند الكلب هذه القدرة على ترك هذه العلامة فى رجال القرية جميعا أمام سطوته ..؟ وهم يعرفون أنه يطاردهم فى كل مكان .. قد تكون عضة واحدة فى صدغ رجل واحد وانتقلت بالتصور إلى جميع الوجوه .

***

وأخيرا قرر الطبيب أن يصلى الجمعة فى مسجد القرية الذى يجمع صورا مختلفة من أهلها .. الشيوخ والشبان .. ليتأكد من هذه العلامة الغريبة .. ولما دخل المسجد رأى الندبة برسمها وحجمها على وجوه المصلين جميعا .

وخرج المصلون من الجامع .. واختار الطبيب أكبر المصلين سنا .. وكان شيخا وقورا ..

مال به الطبيب إلى جلسة تحت المحراب وسأله وهو يشير إلى صدغه :
ـ وهل هذه الندبة عضة كلب أيضا .. ياشيخنا الكبير ..؟
ـ أجل .. يادكتور ..
ـ إنه شيطان إذن مادام يعض الصالحين المتوضئين من أمثالك ..
ـ إنه ليس بشيطان .. إنه نذير ..
ـ وهل إذا رأيت الكلب تعرفه ..؟
ـ بالطبع أعرفه .. وكل القرية تعرفه .. لقد كان من كلاب القرية .. وأخذه " عبد الجابر السحلاوى " وأصبح من زمرة كلابه .. إلى أن حدث ما حدث واختفى الكلب بعدها ..

ـ وما السبب الذى أهاج الكلب .. لقد سألت الكثيرين فلم أعرف السبب الحقيقى .. الأقوال متضاربه ..

ـ الناس يشعرون بالخجل يادكتور .. من تصرفاتهم .. عقدة الذنب .. استقرت فى أعماقهم .. فمنعتهم من الكلام .. لأن فى التصريح بالكلام ورواية الحقيقة عارا .. وعارا أبديا .. على أهل الريف .. أهل الريف الذين عاشوا طول عمرهم يتعاونون فى السراء والضراء .. ويغيثون الجار ويدافعون عن المظلوم .. ولكنهم تغيروا الآن يادكتور .. وانقلب حالهم .. وتسلطت عليهم الأنانية فى بشاعة .. حتى لاتجد فيهم من مروءة الرجال من يذوذ عن امرأة مسكينة .. لقد اقتص الكلب من أنانيتهم وانشغال كل منهم بحاله .. غافلا عن حالة أخيه .. مادام لايصيبه من أمرها مكروه .. فكر فى السلامة لنفسه .. ولم يفكر فى سلامة الآخرين الذين يعيشون بجواره وفى حضن قريته وزمامها ..

لقد كان " عبد الحافظ " مدرسا فى المدرسة الاعدادية بالقرية .. وغريبا عن أهل القرية .. جاء ليهديهم ويعلم أبناءهم .. ولكنهم خذلوه فى خسة وضعف .. أشفق المسكين على حالهم عندما رأى " السحلاوى " يستولى على ريع السوق ويتاجر فى سماد الجمعية المخصص لهم .. ويسرق قوتهم وقوت عيالهم .. ويسيطر على كل شىء بنفعية وتسلط .. فحرك الفلاحين ليقفوا فى وجهه .. ويطالبوا بحقهم .. ولكنهم تخاذلوا فى ضعف مشين ..

وطلب منهم أن يشتكوه لمن يرد لهم حقهم المسلوب .. ولكنهم كانوا يعرفون بالخبرة أن الشكوى لاتنفع وسترتد إلى صدورهم .. فسكتوا ..

ولم يرض " عبد الحافظ " بهذا وكتب هو الشكاوى بلسانهم .. ولكن الشكاوى كانت تموت لسطوة " السحلاوى " وكثرة معارفه من ذوى النفوذ ..

وعلم .. " السحلاوى " .. أن كاتب هذه الشكاوى هو " عبد الحافظ " .. وفكر فى الانتقام منه سريعا ..

وكان " عبد الحافظ " لأنه أعزب .. وليس من أهل القرية قد اختار مضيفة الحاج " حسانين " القريبة من المدرسة كمنزل إقامة ..

وكانت المضيفة قريبة من حوش البهائم الخاصة " بالسحلاوى " ومن منزله .. وعند " السحلاوى " كلاب شرسة مدربة على الحراسة ونهش من يقترب من البهائم .. وكل من سار فى الليل واقترب من حوش " السحلاوى " ومنزله يخافها لشراستها .. وكان " السحلاوى " لايريد اغتيـال المدرس الغريب مواجهة وإنما فكر فى تعذيبه وإذلاله .

وفى ليلة من ليالى الصيف أطلق عليه وهو نائم كلبا من كلابه الشرسة .. وشاءت إرادة الله أن يعرف الكلب " عبد الحافظ " ويحفظ له صنيعه عنده .. فقد أطعمه " عبد الحافظ " ذات ليلة من ليالى الشتاء الشديدة البرودة .. وأواه فى المضيفة .. وكان الكلب وقتها طريدا شريدا .

وعرفه الكلب .. فنام بجواره يحرسه بدلا من أن ينهش لحمه .. وجن جنون السحلاوى عندما رأى " عبد الحافظ " لم يمس بسوء .. وما كان يفعله مستخفيا .. أخذ يفعله علانية وهو فى حالة هياج .. فأخذ يضرب الكلب .. ويطلقه على المدرس .. ولكن الكلب لم يستجب له اطلاقا .. فرأى أن يضع مع الكلب كلبا آخر ليحرضه على افتراس المدرس المسكين الذى أخذ يستغيث بأهل القرية فلم يغثه أحد .. كانوا مشغولين بحالهم .. ويخافون من بطش " السحلاوى " فتخاذلوا عن غوث الغريب .

وأخذ " السحلاوى " بعين الوحش يرقب ما يجرى أمامه ولكن .. خاب فأله .. فقد افترس الكلب الأول الكلب الثانى وألقاه جثة هامدة .

ولمح " السحلاوى " عين الشر فى عين الكلب الأول فلم يقترب منه وإنما قرر أن يقتله بمسدسه .

وفى اللحظة التى فكر فيها أن يفعل هذا كان الكلب الأول قد وثب عليه وألقاه على الأرض .. بعد أن عضه فى صدغه تلك العضة .. ووضع فى وجهه تلك العلامة المميزة ..

وارتعب " السحلاوى " وغشى عليه .. ولما أفاق كان الكلب قد خرج من القرية ..

ولكنه عاد إليها وأخذ يعض الرجال من أهلها بالصورة التى رأيتها فى وجوههم .

وبعد هذه الحادثة لفق " السحلاوى " تهمة للمدرس المسكين ونقله من القرية ..

وسافر " السحلاوى " ليعالج نفسه من عضة الكلب وطال غيابه ..

وصمت الشيخ قليلا ليرى أثر حديثه فى وجه الطبيب الشاب ثم قال :
ـ هذه هى قصة " العضة " التى تراها فى وجوهنا يادكتور " بهجت " وأرجو أن تساعدنا أنت وزميلك الجراح على إزالتها ..!
ـ مع الأسف ياحاج .. لاأستطيع ذلك .. لاأنا .. ولا زميلى الجراح ..
ـ كيف .. يادكتور .. كيف ..؟
ـ لأنها من عملكم وخصائص نفوسكم .. ومتى تغيرتم ستزول ..
ـ بغير جراحة ..؟!
ـ بغير جراحة ..

وشكر الدكتور " بهجت " الشيخ الكبير على حديثه .. وأخذ طريقه إلى الوحدة ، وهو يفكر فى طريقة عملية ليخرج الخوف من نفوس هؤلاء المساكين الذين أصابهم الكلب بهذه الوصمة .. وتمنى أن يرى " السحلاوى " والكلب والمدرس وبعد هؤلاء الثلاثة سيعالج الخوف بطريقته .

***

ومع دوامة الحياة تصور " عبد الحافظ " أنه نسى ما حدث له .. ولكن تصوره كان خاطئا .. فقد كان الجرح عميقا وضاربا فى أعماق النفس .

وذهب يسأل عن " السحلاوى " فعلم أنه مات .. ومات مع قوته الانتقام .. ونسى عبد الحافظ ما حل ولكنه فوجىء بعد ذلك بمن يخبره أن " السحلاوى " حى وفى بلده .. فأشعلت فى نفسه جذوة الانتقام التى حسبها تحولت إلى رماد .. وقرر أن يغتاله فى نفس المكان الذى عذبه وأذله فيه .. نفس المضيفة .

وركب القطار إلى القرية بعد أن تسلح .. ووصل إلى بساتينها ساعة العصر .. ورأى أن يظل فى البستان إلى الساعة التى يختارها فى الليل للتحرك .

وبعد وصوله بأقل من ساعة شاهد جنازة طويلة تتجه إلى المقابر القريبة من البساتين .. فسأل عنها .. وعلم أنها جنازة " السحلاوى ".

وتعجب وقال لنفسه :
ـ مات " السحلاوى " فى اليوم الذى قصدته فيه .. ما أعجب الدنيا بتصاريفها ..

وتعجب أكثر من طول الجنازة وعرضها .. فقد خرج وراءه رجال القرية جميعا .

وردد لنفسه :
ـ إنهم يخافونه ميتا .. أكثر مما يخافونه حيا ..

***

ودخل " عبد الحافظ " فى خط الجنازة مع الرجال .. وتلفتوا بأصداغهم التى عضها الكلب .. وتهامسوا ..

ـ جاء المدرس .. يشترك فى الجنازة .. ونسى ما فعله فيه ..

ـ إنه نبيل ..

وفجأة اضطربت الصفوف المتراصة الواجمة .. ورفعت رؤوسها المنكسة .. وصاح الرجال :

ـ الكلب .. الكلب ..

وأصابهم الذعر .. ووضعوا النعش على الأرض .. وانطلقوا يمينا وشمالا فى الغيطان يسابقون الريح ..

ونظر " عبد الحافظ " فوجد الكلب واقفا على القنطرة التى سيعبر منها الرجال إلى المدافن .. إنه نفس الكلب ولكنه تضخم أكثر وغدا أشبه بالأسد فى ضراوته ..

تقدم " عبد الحافظ " نحوه بثبات وناداه :
ـ تعال .. يامبروك .. تعال إلى صاحبك ..

واتجه الكلب إليه بعد أن عرفه .. وهو يحرك ذنبه فرحا بلقاء صاحب قديم ..

ووضع " عبد الحافظ " يده على رأس الكلب ومسح على ظهره بنعومة .. وطوقه بذراعيه .. ثم أشار إليه بأن يبتعد ..

فانسحب الكلب وهو يشيع صاحبه بنظرة لم تصدر مثلها من إنسان ..

وانحنى " عبد الحافظ " على النعش ليحمله .. وشجعت هذه الحركة الرجال .. فعادوا إلى الجنازة من جديد ..

عادوا وهم يشعرون أن حركة الكلب قد فعلت شيئا فيهم لم يدركوه بعد .. وهم يتحركون فى صمت .. والمدرس الغريب بينهم وفى رأس الصفوف ..
=================================
نشرت القصة فى صحيفة مايو 20/4/1981 وأعيد نشرها فى مجموعة السكاكين لمحمود البدوى 1983
=================================

ص 17 الأعسر ـ قصة قصيرة ل محمود البدوى

الأعسر
قصة محمود البدوى


تحركت السيارة بعد ليلة ممطرة لم يحدث مثلها فى الصعيد .. على طول خط السيارات .. من الجيزة إلى منفلوط .. وسقط المطر بغزارة .. وسبب الوحل ، مثل رغو الصابون ..

ولكن السائق لم يعبأ بهذا كله .. وانطلق فى سرعة الريح على الأرض اللينة ..

وكان الركاب الأربعة صامتين ولكن ثلاثة منهم كانوا يتبادلون السجائر بشراهة .. السيجارة تشتعل من عقب السيجارة .. وكان يبدو على وجوههم الغضب والتوتر ..

وكان هؤلاء الثلاثة مسلحين .. فى أيديهم البنادق أمسكوابها وشرعوها كأنها مرخصة .. وفى اللحظات التى كانت السيارة تعبر فيها نقط المرور وتهدىء من سرعتها قليلا تظل البنادق فى أيديهم ..

كانوا قتلة .. ومنذ ساعات قليلة .. ارتكبوا جريمة القتل .. مع الريح العاصفة .. واستقلوا بعدها السيارة متجهين إلى العاصمة ..

وفى الطريق .. بعد مشارف " المنيا " ركب الرابع .. ولم يكن القتلة يريدونه منهم ولكن نظرة صارمة من السائق الجمتهم .. وأجلسه السائق بجانبه .. ولم يكن هذا الراكب يدخن .. ولكنه رضى بجو التدخين يملأ جوف العربة ..

ونظر إلى وجوههم مرة واحدة بعد أن ركب .. ثم استقام بجذعه على الطريق .. وكان بصره يتجه إلى الأمام .. إلى حيث الجهامة المطبقة على الجانبين .. وإلى أنوار السيارات المضادة التى تلمع على الأرض المبلولة ..

كان السائق يحرك عجلة القيادة بذراع واحدة .. مرة بالذراع اليمنى وأخرى باليسرى .. ويميل بكتفه مع كل ذراع .. كان قوى العضـل مفتول الساعد .. فى الثلاثين من عمره .. أسمر خفيف الشارب .. واسع العينين .. أخضرهما فى لمعان وحدة بصر ..

وكان راديو السيارة هو شاغله الشاغل .. فأخذ يغير ويبدل فى المحطات .. ثم ما عتم أن أغلقها جميعا .. وشغل التسجيل ..

وكان صوت السيارات يزعق .. ولكنه يذهب سدى فى دوى ريح الشتاء ..

وقلت سيارات الأجرة على الطريق .. ولم يعد يشاهد إلا اللوريات الكبيرة محملة بأكياس الغلال ، والأسمنت ، وألواح الخشب ، والصناديق الكبيرة ، وأسياخ الحديد .. وعلى ظهورها ينام العتالون مسترخين لايعبأون بشىء مما يجرى بين مطر وريح ..

وكان الثـلاثة الذين احتلوا المقعد الخلفى فى أغلب حالاتهم صامتين .. ويتبادلون كلمات قليلة من حين إلى حين ..

والسائق قد أطفأ النور فى جوف العربة .. فأصبحت عيونهم تلمع ، ويزداد لمعانها كلما أشعلوا ولاعات السجائر ..

وكانوا يرتدون جلابيب سمراء ، ولبدا خضراء ، غطوها بملاحف صوفية داكنـة ، أداروها حول أعناقهم ، وتركوها تتدلى على صدورهم ..

وظهرت للعيان ساعة ذهبية تبرق فى الظلمة .. وكان صاحبها يجلس إلى يسار السيارة من وراء السائق وهو أصغر الثلاثة ..

وأوغلت السيارة فى الطريق .. وشعر الراكب الرابع بالخوف .. والخوف الشديد .. ولعن الظروف التى جعلته يسافر فى الليل .. كان خوفه من الركاب معه .. أضعاف خوفه من مخاطر الطريق ..

وكان كلما نظر إلى السائق المطمئن الواثق من نفسه وعمله .. شعر ببعض الاطمئنان .. ثم ما يلبث أن يعاوده الخوف من جديد . وخلال ساعة كاملة شعر برهبة الظلام وشدة البرد والرعب من المكان .. ثم استسلم وظل صامتا .. ولم يتبادل مع الركاب الثلاثة كلمة واحدة ..

وتقدم له أحدهم بسيجارة وهو يوزع السجائر على رفيقيه فقال له شاكرا :
ـ اننى لا أدخن ..
ـ أبدا ..!
ـ أبدا .. لم أضع سيجارة فى فمى ..
فنظروا إليه فى عجب .. وأخذوا ينفثون دخانهم ..
وبعد مدينة " بنى سويف " وقف السائق عند قهوة صغيرة ، كانت لاتزال ساهرة .. وبجانبها من يشوى اللحم على النار ..

وركن السائق العربة ليستريح ويأكل .. وكانت السماء معتمة كابية النجوم ، والبرودة شديدة .. ومصابيح بعيدة تعكس أضواءها على الترعة ..

ونزل الراكب الرابع غير المسلح مع السائق .. وفى عزمه أن يعفى السائق من ثمن طعامه .. وجلس إلى طاولة منفردة بعيدة عن مسقط الريح .. وطفقا يأكلان ..

وكان الثلاثة المسلحون ، قد ترددوا بعض الوقت فى النزول من العربة .. ثم لما بصروا بأكواب الشاى وشموا رائحة اللحم المشوى على النار ووجدوا المكان خاليا .. بارحوا العربة ودخلوا المقهى وجلسوا إلى مائدة فى الزاوية اليسرى ..

ووضعت أمامهم أرغفة كثيرة وطعام أكثر .. وشرعوا يأكلون بسرعة وشراهة ..
وسأل الراكب الرابع السائق ..
ـ أتعرفهم ..؟
ـ أبدا هذه أول مرة أرى فيها وجوههم ..
ـ ولماذا الأسلحة فى أيديهم دائما .. حتى وهم يجلسون للطعام ..؟
ـ لأنهم قتلة ..
ـ قتلة ..؟ !
ـ قتـلة .. ويقتلون أى إنسان .. متى دفعت لهم الأجر .. مجرمون .. أخس أنواع البشر ..
ـ قد يفكرون فى قتـلى .. لمجرد التصور .. أن حقدهم أسود مدمر ..
ـ لاتخف .. ولا تفكر فى هذا .. فأنت فى ضيافتى .. وأنا الذى أركبتك العربة لا هم .. وإذا مسوا شعرة من رأسك سأحشهم ..
ـ تحشهم ..! كيف ..؟ بيديك ..!!
ـ أجل بيدى هاتين .. ولا تضحك ..!
واستطرد السائق :
ـ انى أشتغل على هذه العربة فى الليل ..
ـ وهل من يعمل فى الليل والظلام يكون مخلوع القلب ..؟
ـ ان صاحب القلب المخلوع مشلول الحركة إلى أبد الآبدين .. لقد ركبت الكثير من أمثالهم وهم فى داخل عربتى أجبن من الكلاب .. وهناك دوما فى الحياة من هو أقوى من كل قوى .. تلك هى سنتها ..

وسر الراكب الرابع من كلام السائق وأحس بالاطمئنان التام لثقة السائق فى نفسه وقوة شخصيته ..

ودخل المقهى فى هذه الساعة شاب خفيف الوطء .. ربعه فى الرجال مالوحا .. قصير العنق ، حليق الذقن ، حاد النظرات .. وكان على كتفه الأيسر بندقية قصيرة جدا .. ودخل هادئا وحرك الطاولة التى سيجلس إليها .. ثم الكرسى وجعل ظهره للحائط وعينيه على الوجوه التى أمامه ..

وكانت الاضاءة فى القهوة خفيفة ، والنار مشتعلة فى الداخل ، وبدا وجهه الطويل الأسمر وعيناه تبرقان فى لفحة الضوء ، وحمل إليه الشاى فتناوله بيده اليسرى وأخرج محفظته بيده اليسرى كذلك ، فبدا من كل هذه الحركات أنه أعسر .. ولا يستعمل يمناه قط ..

وجلس يدخن فى هدوء وصمت .. ثم سأل وفى صوته الوداعة :
ـ من الأخ صاحب العربة الواقفة هناك ..؟
فرد السائق :
ـ أنا ..
ـ أتسمح وتأخذنى معك لغاية الجيزة ..
فرد أحد المسلحين بخشونة ظاهرة قبل أن يجيب السائق :
ـ العربة مشغولة .. ولايوجد مكان ..
ـ اننى أكلم السائق .. ولم أكلمك ..
وهنا رد السائق مخاطب الأعسر ..
ـ مرحبا بك .. عندى مكان ..
ـ العربة مشغولة يا أسطى .. ولن يركبها راكب جديد ..
ـ العربة عربتى .. وهناك مكان شاغر للسيد ..
ـ قلت لايوجد مكان .. وهيا لنسافر ..
ورد السائق بهدوء :
ـ اننى أريح المحرك .. وأمامنا ربع ساعة أخرى ..
وقال المسلح بغيظ :
ـ قلت هيا .. فهيا ..

وحرك المسلح بندقيته ، وأطلق طلقة بين رجلى السائق للارهاب .. وظل السائق فى مجلسه ساكن الطير رابط الجأش .. وهنا تدخل الأعسر وتقدم نحو المسلح الذى أطلق النار .. وقال له بتؤدة :
ـ الأمور لاتعالج هكذا أيها الأخ ..
ـ كيف ..؟
ـ سمعته يقول لك أنه يريح الموتور .. ثم ان من يطلق النار على رجل أعزل جبان ..
ـ تسميه أنت جبانا ..؟!
ـ بل ومن أحط وأخس أنواع الرجال .. إنى أعرف أن الليلة ستكون سوداء ..

وخيم الوجوم ولمعت العيون تنذر بالشر .. وتحرك المسلح ومعه رفيقاه إلى الخارج بظهورهم .. وراوغ الأعسر كأنه سيتبعهم ثم استدار فى سرعة خاطفة إلى جدار القهوة الخارجى .. وفى هذه اللحظة كانوا قد أطلقوا عليه النار ولكنهم أخطأوه .. فصوب عليهم رشاشه ببراعة عديمـة النظير .. وظل مشتبكا معهم وحده فى معركة رهيبة انتهت سريعا ..

وجعل كل خبرته كمقاتل ليس له ضريب .. أن يبعدهم عن القهوة حتى لا يصيبوا بريئا .. ونجح فى هذا ، وظل يطاردهم بعنف وضراوة إلى أن سكت صوت الرصاص وخيم السكون ..

وعندما لاح نور الفجر .. وجدوا الثلاثة فى صف واحد تحت جسر الترعة وقد مزق الرصاص أجسامهم ..

وكانت آثار الأعسر واضحة من أعقاب السجائر التى تركها بعد المعركة .. وخط سيره يدل على أنه أخذ سيارة .. بعد أن سار على قدميه ما يقرب من ربع فرسخ ..

=================================
نشرت القصة فى مجلة الثقافة بالعدد 71 فى أغسطس 1979 وأعيد نشرها فى مجموعة قصص لمحمود البدوى بعنوان " قصص من القرية " ـ مكتبة مصر
=================================

ص 16 وردة الجميلة ـ قصة قصيرة ل محمود البدوى

وردة الجميلة
قصة محمود البدوى

كان الجو ينذر بالعواصف ، ولكن " كامل " لم يؤجل سفره وأخذ أول قطار فى الصباح ونزل منه فى المحطة التى سيتجه منها إلى القرية ..

والمواصلات من هذه المحطة إلى قرية " الزعفران " رديئة للغاية .. وندر أن يقبل سائق عربة ولو كانت من طراز فورد القديم أن يحملك إليها حتى لو ضاعفت له الأجر ثلاث مرات ، لوحشة الطريق ووعورته

واستطاع " كامل " بعد جهد أن يوفق إلى عربة ، قبل سائقها العجوز أن ينقله إلى هناك بعد أن أجزل له " كامل " العطاء ، وكشف له عن غرضه من الزيارة ..

وتحرك السائق فى جسر ترابى كثير المنحنيات والمطبات .. والشمس غائبة وراء سحاب رمادى قاتم .. والريح تعول بين أشجار النخيل والجميز والسنط .. وتسفى الغبار فى وجه السائق وراكبه الوحيد .. وتحوج الخضرة على جانبى الجسر ، وتكسوها بلون داكن ..

كانت زراعة البرسيم والقمح والقصب تغطى الأرض فى مساحات واسعة .. والطيور تحلق مذعورة ، وأعمدة البرق تئز من هول الريح ..

وقلبت العاصفة كل شىء أخضر ، وحولته إلى رماد يتصاعد كثفا ، ويدور مع العاصفة التى تنفجر حمولتها فى النيل .. وقد ألقت المراكب المتأرجحة مراسيها ، وطوت قلوعها ..

وبلغ " كامل " أبواب القرية والشمس تميل إلى الغروب ، والتراب يغطى سترته وشعره ووجهه ..

وكان المسجد هو أول بيت دخله فى القرية ، فاغتسل من غبار الطريق وتوضأ وصلى ..

ولما خرج من المسجد يتلفت فى الساحة ، وجد " وردة " أمامه .. وردة الجميلة زهرة صباه واقفة تحدق فى هذا الأفندى الذى يخرج من المسجد ، وكأنه هبط عليها من السماء .. تتفرس فيه وتستغرب ، ثم تنبهر أنفاسها وتقول :
ـ كامل ..؟
ـ نعم .. يا وردة ..
ـ وعرفتنى ..؟!
ـ بالطبع .. عرفتك يا وردة .. فلم يتغير فيك شىء .. ولا زلت فى جمالك ونضارتك ..

وكان يكذب ، فقد أخذت بوادر الشيخوخة ترسم الخطوط البارزة على وجهها .. خطوط الزمن ..

واستغربت الزيارة بعد هذا الانقطاع الطويل ، فسألته :
ـ ما الذى جاء بك ..؟
ـ جئت لأراك يا وردة .. اشتقت إليك ..
ـ هل هذا كلام يقال لمن فى سنى .. ألا زلت كعادتك تضحك على الفلاحين ..؟
ـ أبدا .. يا وردة .. جئت لأراك .. أين بيتك ..؟
ـ هناك .. فى نهاية البيوت ..
ـ وبيتكم القديم ..؟
ـ أكله البحر .. وجرفه التيار .. أصبح أكل بحر !!

وكانت تتـكلم بطلاقة وسخرية ، ولكن وجهها احتفظ بطابع البشر .. لم يرهـا بمثل هذا الجمال رغم شيخوختها .. كانت روحها الجميلة تضفى على كيانها الصغير جوا آسرا حالما ..
وسألها :
ـ أين أولادك ..؟
ـ ليس عندى سوى ولد واحد .. " سالم " ..
ـ يعيش .. أين هو ..؟
ـ فى الغيط .. سارح بالجاموسه ..
ـ أريده الساعة .. ليرافقنى إلى عزبة الست خديجة ..
ـ الست خديجة فى هذا الجو ..؟ .. مستحيل ، أنظر إلى الريح .. وإلى النهر .. أصبح النهر فى لون الرماد .. والمراكب طاوية أشرعتها ..
ـ لماذا ..؟
ـ لن تجد الملاح الذى يوافق على الاقلاع فى هذا الجو العاصف .. استرح فى بيتى إلى أن يعتدل الجو ..
ـ الجو .. لايبشر بالتحسن ..
ـ سيتحسن بعد الغروب ..
ـ وكيف أذهب فى الليل ..؟
ـ استرح عندى إلى الصباح ..
ـ عندى أعمال كثيرة .. ولا بد من نقلها اليوم إلى المستشفى .. إن حالتها سيئة للغاية كما سمعت .. ولهذا جئت على عجل رغم رداءة الجو .. وجعلت العربة التى أقلتنى تنتظر على الجسر .. لنقلها فيها إلى المستشفى ..
ـ لم يفكر أحد من أقاربها الذين ينعمون بخيراتها فى نقلها إلى المستشفى منذ أصابها الشلل .. وتفكر أنت الغريب عنها فى هذا .. كم أنت طيب ..!
ـ انها وحيدة ومسكينة .. ولجحود أهلها ونكرانهم لحالها أسرعت لمساعدتها .. فأرجو أن تساعدينى .. وابعثى من يأتى بسالم ..
ـ عندما يعتدل الجو .. ستجد عشرة من الرجال يساعدونك ومعهم سـالم .. فلا تبتئس .. هيا إلى البيت لتستريح .. واصرف العربة ..
ـ وكيف أرجع إلى المحطة .. ومعى المريضة ..؟
ـ سنجىء لك بعربة أحسن منها .. عندنا .. هنا فى القرية ..
ـ اتفقت مع السائق على أجر الذهاب والعودة ..
ـ أعطه الأجر وخيره .. بين البقاء والذهاب ..

وصرف العربة .. واتجه إلى بيتها .. ودخل المجاز .. وكانت وردة أمامه بجلبابها الأسود ، وطرحتها على شعرها .. وتلفتت إليه وقالت بوجهها الباسم الذى لايزال محتفظا بكل تقاسيمه الجميلة :
ـ تعال هنا .. قريبا من الفرن ..

وجلس مستريحا على مصطبة فرشتها له بالأكلمة والمخدات .. وعيناه تتبعانها فى حركتها الدائبة فى أرجاء البيت الصغير .. تتحرك من الفناء إلى الكانون .. لتغذى النار وتضع الشاى .. وتطرد الدجاج وهو يصوصو .. تطلع إلى الغرفة العلوية وتنزل حاملة طبقا فى يدها .. وتدفع بابا صغيرا يفضى إلى بستان نمت فيه نخلتان بعمر هذا البيت الجديد .. بعد أن أكل جرف النيل البيت القديم .. وفى هذا البستان ترقد الجاموسة بعد أن تعود من الحقل ويمرح الدجاج والأوز ..

وطافت برأسه الذكريات الحلوة عندما زار هذه القرية فى صباه ونزل ضيفا عند صهر له .. ورأى " وردة " لأول مرة .. وكان بيتها الصغير ملاصقا لبيت صهره الكبير .. وتراه وردة يخرج من " الحوش " بأحسن الجياد وينطلق به على الجسر كأجمل الفرسان .. ويتعلق نظرها به .. ويتعلق بها .. ويرى البلح فى نخلتها فتقدم له التمر .. ويقول لها إنه يريد أن يطلع النخلة فتخشى عليه من السقوط وترفض ..

وكلما وقع بصره عليها .. تطلع إليها وإلى النخلة .. وكان يراها دائما وحدها على السطح تعمل " الجلة " ..

وفى ظهر يوم شديد الحرارة بصرت به يدخل بالجواد عدوا إلى " الحوش " فارتجف قلبها وخشيت أن يدق عنقه .. وظلت مذعورة ترتعش حتى شاهدت الجواد يلقيه أمام بابها ..

وتحامل عليها وأدخلته فى بيتها ، وأجلسته على حشية .. وكان الدم ينزف من ركبته فغسلت الجرح ، وحشته بالبن وربطته ، وهى تنظر إلى وجهه بحنو .. وتتحسس جسمه خشية أن يكون قد أصيب من السقطة فى موضع آخر ..

مرت هذه الذكريات فى رأس " كامل " كالحلم ، وهو جالس فى بيت " وردة " الجديد .. كما كان يجلس فى بيتها القديم ..

تبعها بصره وهى تتحرك الآن ، وتقدم له كوب الشاى كما كانت تفعل فى الماضى .. وتنظر إليه بنفس النظرة الآسرة .. وفيها كل الحنان الذى كان يتعطش إليه ، والذى كان يفتقده ..

شرب " كامل " الشاى وشعر بالدفء ، وكانت الشمس لا تزال طالعة ، ولكنها صفراء مغبرة .. والريح عاصفة فى القرية الصغيرة ، تحرك فروع النخيل ، وتثير دوامات من الغبار فى الطرق المتربة .. وتذرى ذرات التبن وورق البوص ..

ورأى " كامل " من فتحة الباب البهائم راجعة من الغيطان وعلى ظهورها الخيش .. ليقيها من البرد وفوق الخيش أحمال البرسيم زادها فى الليل .. أو زاد من كان منها فى عمل فى الحقل أو فى السوق ..

كان يسمع صوت حوافر البهائم وخوارها ، وهى تمر قريبا من البيت ، وأمامها وخلفها الصبيان بالعصى الطويلة يحثونها على السير أو الميل إلى جانب الطريق ..

كانت " وردة " كلما زفت الريح تحمل " لكامل " دثارا جديدا .. بطانية أو كليما .. وكان يتأثر من هذا الحنان ..

بعد كل هذه السنوات الطوال يعود إليها فيجدها على حالها كما هى فى بيتها .. بنته على غرار البيت القديم .. لم تزد عليه طوبة ولم ينقص حجرا .. على حالها من الفقر .. ولكن فقرها لم يغير طبعها من الكرم والسماحة .. كريمة تجود حتى بالنفس فى سبيله ..

ومذ وقع بصرها عليه انتابتها حالة من النشوة والصحوة .. لم تمر مثلهما على أنثى فى مثل سنها .. كانت تود أن تحتضنه كما كانت تفعل فى صباهـا تضمه إلى صدرها وتضغط .. وتضغط حتى يختلط عرقها بعرقه ، وتمتزج أنفاسها مع أنفاسه .. كانت تود أن تفعل هذا لولا وقار السن ، وضعف الشيخوخة ..

عادت تتذكره عندما كان ينام فى بيتها .. كان يضم رجليه إلى بطنه ويتكور .. كان يود أن يعود طفلا ، ويتخذ وضع الطفل فى بطن أمه .. ليشعر بالدفء والحنان ..

لم تكن تدرى أهذه النومة .. نومة خوف من ليل الريف الرهيب .. من القدر .. من ضربة الحدثان .. من شىء مجهول يأتى به الليل .. يأتى به الظلام .. تأتى به الرياح العاصفة فى الشتاء .. يأتى به عراك الأشجار فى الليل وهى تتصارع مع الغيلان فى غيطان الشيخ " محفوظ " القريبة منهم ، غيلان تتصارع فى الليل .. وفى هذه الغيطان لكثافتها وضلال مسالكها يدوى الرصاص ويسقط الصرعى ..

إنها كمين مستوحش يستخفى فيه الوحش الآدمى بكل ما فيه من حقد وعداء وضراوة .. لينفجر فى ساعة الغضب ، عندما يميل ميزان العقل ، ويفلت الزمام ..

ويمر الفلاحون من هناك فى الليل بعد عودتهم من الحقول ، وبأيديهم المدافع الرشاشة وأصابعهم على الزناد .. لأنهم يتوقعون الشر من أعدائهم لثأر قديم .. لثأر قديم جدا .. وقد يطويه الزمان وتخمد جذوة النار .. ولكنه لأتفه سبب يعود ويتجدد .. وتشتعل النيران من جديد ..

وابنها " سالم " يمر من هناك كذلك .. لأنه الطريق الوحيد .. عائدا بالجاموسة من الغيط .. وعلى ظهره حزمة البرسيم .. وبيده عصا قصيرة .. إنه لايحمل سلاحا ..

وفى كل ليلة إذا تأخر عن الغروب يشل حركة قلبها الرعب .. وتجد نفسها تتحرك فى أرجاء البيت كأنها تبحث عن الشىء الذى ينقصها فى مثل هذه الحالة .. الشىء الذى فقدته مع زوجها ..

ثم تتناول بندقيته القديمة .. وتقف على رأس الجسر .. تقف شامخة .. تتحدى الليل ، وصراع الغيلان .. تتحدى الشر بكل ضروبه وألوانه ..

إن الولد سالم أعزل لا يحمل ضغنا ولا حقدا على أحد .. وليس بينه عداوة لإنسان فى القرية أو ما يجاورها من قرى وعزب .. ولكنه يسوق فى فحمة الليل جاموسة غالية الثمن جدا .. وهى مطمع لكل قاطع طريق ..

وفى كل صباح عندما يخرج " سالم " بالجاموسة كانت أمه تود أن تقول له :
ـ لا تتأخر يا سالم عن الغروب ..
ولكنها تخشى أن تعلمه هذه القولة الخوف .. وتشيع فى قلبه هذه الجرثومة .. جرثومة الخـوف .. وهى تحب أن تجعله رجلا وسط الرجال .. وإلا سحقوه كأنه دودة من ديدان الغيط ..

ولهذا كانت تتركه على حاله يتصرف تصرف الرجال .. وإن لم يبلغ بعد مبلغ الرجال ..

وذات مرة تأخر كثيرا عن ميعاده .. فسألته برقة :
ـ لماذا تأخرت هكذا ..؟
ـ كنت أحش " البرسيم " من الغيط يا أماه لبنات " ربيع " .. إنهن جيراننا .. وصغار ..

وابتسمت .. كانت تحب فيه هذه المروءة .. ولا تثقل عليه .. ولا تشيع فى قلبه الخوف من رهبة الليل .. لأنه شجاع .. ربته على الشجاعة لأنه رجل .. أما هى فتخاف وتخاف .. وخوفها خوف الأمومة الكامن فى القلب ..

أشعلت " وردة " السراج بعد أن سقط الليل بغياهبه ..
وفى فحمة الليل وسكونه .. سمعا معا طلقات الرصاص .. فأمالت " وردة " رأسها ناحية الصوت ، واكتسب وجهها كله هيئة المتصنت .. ولكنها لم ترع .. ولم تتجهم ملامحها .. كانت أذناها تلتقطان مصدر الرصاص ، وتحددان مكانه بغريزة الريفية ..

وتحركت " وردة " ورآهـا كامـل تسحب البندقية المعلقة فى القاعة .. وتتجه ناحية الباب ، فقال لها بصوت هادى :
ـ سأخرج معك ..
ـ أبدا .. كما أنت فى مكانك ..
ـ إن دوى الرصاص يقترب منا ..
ـ وما شأنك به .. إنه شىء مألوف فى الريف ..
ـ لن أدعك تخرجين وحدك فى ظلام الليل ..
ـ سأقف على رأس الدرب .. أستطلع الأمر .. وأنتظر " سالم " .. والرصاص بعيد .. بعيد جدا وليس كما تتصور ..
ـ مهما يكن الأمر .. سأخرج معك ..
وخرج معها .. وفى غلس الليل وقفا على رأس الدرب ..

وكان الفلاحون يتعشون داخل بيوتهم ، ويعرفون بالغريزة أن الرصاص بعيد .. ولا يعنيهم فى شىء ..

وكانت الكلاب تنبح بشدة كلما سمعت الطلقات وتردد صداها عن قرب .. ولكن الطلقات كانت بعيـدة جـدا .. وليس كما تصور " كامل " كان دوى الطلقات تأتى به الريح ، وتزفه فى دوامتها مع أوراق الشجر مع الغبار مع ذرات التبن مع أوراق البوص الجافة ..

لم تكن تدرى لماذا جاء " كامل " فى هذه الليلة .. فى هذه الليلة التى تشعر فيها بالخوف المجسم على " سالم " إن دوى الرصاص فى الليل مألوف فى الريف .. مثله مثل نباح الكلاب .. وعراك الشجر .. وزفيف الريح .. مثله مثل الظلام المطبق الذى يضل فيه البصر .. ظلام بعضه فوق بعض ..

وأخذ قلبها يحدثها بأن تقول له كل شىء .. بعد كل هذه السنين تقول له .. ولكنها لوت عنقها .. وعادت إلى طبيعتها .. ما جدوى هذا الآن .. وبينها وبينه مئات الفراسخ .. ولقد جاء فى مهمة إنسانية .. ولماذا تلقى الغبار على صورة الرجل الذى طواه الموت .. إن الأمر حدث ولم يكن فى مقدور أحد فى الوجود منعه .. وأحست به وحدها من دونه .. وكان الرجل الآخر فى النهر .. لوت عنقها وصمتت ..

وفى لوية الجسر ظهر " سالم " يقود الجاموسـة .. مع بزوغ القمر وكان يسير بخطوات هادئة رغم الطلقات البعيدة .. إنه يطوى الليل فى سكون ورباطة جأش كما اعتاد أن يكون ..

وعلى رأس الدرب رأى أمه .. ورأى رجلا لم يره من قبل ، نظر إليه وحدق فيه ، وكذلك فعل " كامل " .. وأحس كامل برجفة .. إن الملامح واحدة .. وحتى بحة الصوت ..
وقال " سالم " لامه فى بساطة :
ـ زبيدة حلبت الجاموسه .. لما تأخرنا ..
وهمست " وردة " لنفسها :
" عاشق من صغرك زى أبوك "
ثم قالت :
ـ طيب .. عملت الخير .. تعال وسلم على الأستاذ " كامل " صهر " عرفان " بيه ..
أتذكر جياد " عرفان " بيه ..؟ لقد كان الأستاذ فى صغره فارس الخيل .. مثلما كنت فى سنه ..

وظهر البشر على وجه " سالم " ومد يده للضيف وهو يحدق فى وجهه .. واتجهوا الثلاث إلى البيت ..

وبعد أن استراح الضيف على المصطبة .. ودخلت الجاموسة إلى البستان .. وكان " سالم " لايزال يتلفع بالكوفية ، ويلبس فى قدميه نعل الحقل المضفر .. وقد اكتسى وجهه المليح بالهدوء الكامن فى أعماق النفس ..

قال " سالم " وهو يتلفت ـ فى ضوء السراج ـ نحو أمه :
ـ الرصاص .. كان يئز فوقنا ويتساقط كالمطر .. وقد جعلنا البهائم تبرك فى مكانها داخل الحظائر .. وأبقينا البنات والصغار فى حمايتنا .. كان مع " خليفة " رشاش !.. وبعد أن هدأت الحالة .. تحركنا ..
وسألته أمه :
ـ هل سرقوا بهائم ..؟
ـ أبدا .. إنه الثأر .. سمعت أنهم قتلوا واحدا من عائلة عبد الموجود .. وأصبحوا خمسة .. مقابل خمسة ..

وارتجفت الأم عند سماعها لفظة القتل .. ورأت أن تحول مجرى الحديث .. فقالت لولدها .. وهى تشير إلى كامل :
ـ الأستاذ جاء ليذهب إلى عزبة الست خديجة وأنت معه ..
ـ فى الليل ..؟
ـ نعم فى الليل ..
كانت تود أن تختبر شجاعته ..
ونهض " سالم " فى حماسه ..
وسألته أمه :
ـ إلى أين ..؟
ـ سأكلم جلال .. وعنده أحسن شراع ..

وقالت وردة وقد فاض وجهها بالبشر ..
ـ انتظر .. حتى تتعشى أولا .. وتستريح ..
وقدمت وردة الشاى مرة أخرى ..

وسـأل " كامـل " وهو لايفهـم تفاصيـل الحادث الذى رواه " سالم " ..
ـ ما معنى خمسة .. مقابل خمسة ..؟
فردت " وردة " وهى تبتسم :
ـ يعنى تعادلوا فى الثأر ..!!
فقال " كامل " بصوت المتألم :
ـ بعد ثلاثين سنة من حروبنا الدامية مع إسرائيل .. سنسكت صوت المدافع .. ونطلق بدلها حمامة السلام .. وأنتم ما زلتم تتقاتلون على النعجة .. والمعزة .. وحزمة الحطب .. وتقولون خمسة .. مقابل خمسة .. ياللعار ..
فردت " وردة " بعذوبة :
ـ لو عشت هنا لفعلت مثلهم .. إنها جرثومة تجرى فى الدم ..
ـ وكيف نقضى عليها ..
ـ انظر إلى ذلك النور الذى هناك .. إنه بعيد .. ولكنه سيأتى إلى هنا .. وعندما يجىء إلى هنا سيتغير كل شىء ..

ونظر إلى عينيها وفهم .. كانت عيناها لاتزالان تشعان النور والجمال والحنان الذى أسره فى صباه ..

ولم تهدأ الريح .. كانت لا تزال تعصف .. وكانت " وردة " تعد له العشاء وتفكر فى الفراش المريح لنومه ..

==================================
نشرت بمجلة الثقافة فى عددها رقم 54 مارس 1978 وأعيد نشرها فى مجموعة قصص لمحمود البدوى بعنوان " قصص من القرية " ـ مكتبة مصر
==================================

ص 15 الخفير ـ قصة قصيرة ل محمود البدوى

الخفــيـر

قصة محمود البدوى

كانت المحطة تقع بجانب بستان الشيخ " عرفان " أكبر البساتين فى المنطقة على الاطلاق .. وفى مواجهتها ترعة الإبراهيمية وفى الشرق والجنوب تمتد المزارع وأشجار الجميز والسنط وعلى امتداد البصر تبدو حقول القمح المحصودة .. والذرة المزروعة حديثا .. والأرض الجرداء الملاصقة للجبل الغربى ..

ويبدو من هنا وهناك شريط ضيق بين المزارع ينحدر حتى مجرى النيل ويلتف ويدور صاعدا حتى المحطة ..

وكانت المنطقة آمنة .. فقد تحول الناس بكل طاقاتهم إلى العمل والكفاح فى سبيل الرزق ونسوا حياة الفراغ والجهالة فيما سلف من الأيام ..

وكانت المحطة مع صغرها معروفة وكثيرة الحركة لأنها المتنفس الحديدى الوحيد لعدة قرى متقاربة فى الصعيد ..

وكانت مشهورة أكثر من أى شىء بخفيرها " سليمان " وهو شيخ متوسط الطول حاد البصر ..

كان له فى شبابه تاريخ حافل بالتصدى لرجال الليل وقطاع الطرق ، فلما طعن فى السن وترك المزارع والوابورات إلى المحطات .. عاش من وقتها على صيته القديم فلم يطلق رصاصة واحدة طوال حياته فى السكة الحديد ..

وكان يؤدى عمله اليومى بأمانة عديمة النظير .. فيحب المحطة وناظرها وعمالها ودخان قاطراتها وكل ما فيها من جماد كأن كل هذه الأشياء قطعة من جسمه ..

***

وتحرك كعادته كل صباح على الرصيف يرقب عربات البضاعة والعمال يحملونها بالأكياس .. وهم يثرثرون ويغنون .. ولاحظ حركة السيمافور المفتوح على خط القاهرة .. لمرور الاكسبريس .. فجلس على كتلة من الخشب ينتظر مروره .. طاويا البندقية بين رجليه .. وأشعل سيجاره وأرسل عينيه السوداوين إلى ما وراء الترعة .. وكانت الشمس قد ارتفعت وضوؤها يبهر الأبصار .. وغمرت صفرتها المحطة وكل ما يحيط بها فبدت المزارع والمياه والبساتين وحتى الرمال التى تبدو من بعيد فى الجبل ، مكتسية بلون الأرجوان ..

وأخذت الريح تهب لينة مداعبة اوراق الشجر .. وصفحة المياه وأعشاش الطيور .. وبدت السيارات الكبيرة المحملة بالبضائع والركاب تثير الغبار على الجسر ..

وفاض سيل الحياة المتدفق فى دائرة قطرها ثلاثة أميال على الأقل فدارت وابورات الطحين والسواقى والطنابير .. وأخذ الفلاحون يعزقون الأرض ويفلحونها .. ويسوقون المواشى إلى مرابطها فى أطراف الحقول ..

ولاحت أشرعة المراكب من بعيد فى وهج الشمس وهى تتحرك ببطء فى النيل فقد كانت الريح لينة والقلوع لاتشيل ..

وقبل أن يمر قطار الاكسبريس .. سمع الناظر رنين جرس التليفون .. فدخل المكتب .. وقبل أن يرد عليه قطع ورقة من النتيجة نسى أن يقطعها الفراش وهو ينظف المكتب .. فظهر يوم 5 يونيو .. بخط كبير وجلس يتلقى من محطة المنيا محادثات هامة عن تحرك القطارات وشغل فى مكتبه عما يدور فى الخارج .. وظل العمال ومن فى المحطة فى عملهم الصباحى المألوف ..

وأزت فجأة طائرات فى الجو .. ثلاث طائرات صغيرة كالنسـور مرت فى سماء المحطة وهى منطلقة بأقصى سرعتها .. وتطلع إليها العمال .. وأوقف الفلاحون حركة المذارى فى أجران القمح .. وحولوا وجوههم عنها فقد أخذ الهواء يعصف ويدوم ويطير التبن فى عيونهم من فعل الضغط ..

وحدق " سليمان" الخفير .. فيها طويلا حتى غـابت عن بصـره واحتوتها السماء .. وبدت بعدها السماء صافية وفى زرقة ماء البحر .

وتصور من فى المحطة أنها طائرات مصرية فى طريقها إلى أسوان .. ولكنهم عرفوا بعد قليل من الاذاعة .. أن اسرائيل هجمت فى جبهة سيناء والطائرات مغيرة .. ووجم " سليمان" قليلا لما سمع الخبر ، ولكن ما عتم أن صفت نفسه ولانت ملامح وجهه .. فقد كان على يقين من النصر ..

وأخذ يسترجع فى ذاكرته كل ما سمعه ورآه .. من مواقف البطولة التى وقفها المصريون وهم يقاتلون الأعداء فى الزمن القريب والبعيد ..

ورجع إلى ميدان المعركة وكان عالم الرؤية يبسط أمامه المواقع فى الجبهة .. تذكر هذا كله .. فرأى الجيش المصـرى بكل فرقه بمشـاته ومدرعاته ودباباته وطائراته يتقدم صوب اسرائيل لسحقها .

وظلت الصورة فى رأسه مبهجة تهز المشاعر .. حتى سمع همسا فى العصر يدور .. على ألسنة الناس .. فارتعش بدنه .. ولكن شجاعته لم تبارحه ويقينه من النصر لم يتزعزع .. فلم يصدق الخبر وغضب غضبا شديدا وكاد يحطم كل متحدث به حتى ناظر المحطة نفسه ..

وفى الليل ظل جالسا وحده .. ينظر إلى الحقول .. ويسمع حركة القطارات وقد أطفأت أنوارها ..

وكانت أسلاك البرق تهتز فوقه ، والظلام يخيم على القرى والمزارع والمحطة غارقة فى الظلام .. خيم جو الحرب بسرعة ..

وكانت صفحة النيل هى الوحيدة التى تلوح بيضاء فى هذا السواد .

وخرج ناظر المحطة من مكتبه .. منفعلا يغلبه التأثر وقد أحس بمثل السكين تغوص فى قلبه .. وقال بصوت يرتعش من الغضب .. اتهزمنا إسرائيل .. يا شيخ " سليمان " ؟ !.. يا للعار .. نتراجع ياللعار .. فلنقاتل حتى الموت .. لنعيش كراما ..

وتجهم " سليمان " .. وأخذ يهدىء من روع الناظر .. ويعده بتحول الحال .. وظلت الأفكار تلاحقه .. أيذهب هو الى الجبهة .. إن ولديه حسن .. وعبد الرحيم .. هناك .. أيذهب هو أيضا ؟ .. إن زوجته قادرة على رعاية الأسرة فى غيابه ولكنهم لايقبلون تطوعه .. فهو شيخ قارب على الستين .. يكفى ولداه .. وقد يقتلان ولكن قبل أن يقتل أى واحد منهما سيقتل عشرة من الصهيونيين على الأقل .. ويكفيه هذا فخرا .. وسيكون النصر .. والشجاعة توحى بالإيمان والأمل ..

ظلت الأنبــاء عن المعركة متضاربة .. حتى الساعة التاسعة ليلا ..

وفى الساعة العاشرة وقف قطار يحمل الجنود الذاهبين إلى المعركة .. فسرت انتفاضة فى جسم " سليمان " .. وأخذ يرحب بهم .. ويشعل فيهم نار الحماسة ..

وبعـد أن تحرك القطـار .. أحـس بصوت عجـلاته يدوى فى قلبه ..

***

وخيم السكون على المحطة .. وكان الظلام تاما فى كل مكان .. وعاد صوت الطائرات فى الجو .. وصوت المدافع المضادة يسمع من بعيد ..

وسمع " سليمان " أن طيارا هبط بالمظلة بعد أن أصيبت طائرته قريبا من قرية تل العمارنة .. واختفى فى الحقول .. وأخذ البوليس يطارده .. وانتصف الليل ولم يعثروا له على أثر .. وازداد القلق والتوتر واشتعل رأس "سليمان".. وأخذ يرسم فى رأسه الدائرة التى يمكن أن يختفى فيها هذا الطيار .. بعد أن طارده البوليس بخيله ورجاله .. ووضحت الصورة فى ذهنه ..

واعتقد أن القدر وضع فى طريقه حدثا جللا بعد كل هذه السنـين الطويلات المدد ليمتحن قدرته على القتال ..

***

ظل يعيش متنبه الحواس حتى الهزيع الأخير من الليل .. وكان على يقين من أن الطيار سيظل فى مخبئه لا يبارحه .. ثم يتسلل قبل نور الفجر ليذهب إلى الجبل .. أو إلى المدينة ويغيب فى زحمة الناس .. بعد أن يخفى مظهره ..

***

وبارح سليمان المحطة فى خفة الثعلب وتسلق شجرة ملتفة داخل بستان الشيخ عرفان .. وكمن فيها .. وعيناه تتحركان فى كل اتجاه .

وفى حوالى الساعة الرابعة صباحا سمع حفيفا واهنا بين أوراق الشجر .. فتسمع ومد بصره .. فرأى شبحا يتحرك بحذر ناحية الشرق .. وتوقف الشبح ليأمن طريقه قبل التحرك .. كان الخوف يزيده يقظة فى كل خطوة .. ورأى " سليمان " عينيه تتوهجان فى الظلمة كما تتوهج عينا الثعبان وهو خارج من جحره .. ومال برأسه إلى اليمين مادا عنقه كما يفعل الثعبان تماما ..

وأدرك " سليمان " دقة الموقف وخطورته .. لو تنبه الطيار المذعور إلى وجوده .. إن الذعر سيجعله يبادر بالحركة ..

لقد حانت الساعة ليهاجمه .. وإلا فلتت منه الفرصة إلى الأبد .. وانتظر " سليمان " لحظات حابسا أنفاسه .. ثم هبط إلى الأرض .. يزحف على بطنه .. من جانب وجاعلا ظهر الطيار إليه .. حتى أحس بانفاسه وظل ملتصقا بالأرض يشتم ترابها ويده على زناد البندقية ..

وأطلق الطيار أولا .. أحس وهو مرعوب بأن شيئا خطرا وراءه فاستدار سريعا وأطلق .. ثم دوى الرصاص .. من الجانبين .. بعنف فمزق سكون الليل .. ونبحت الكلاب بشدة .. وجرى الناس على صوت النار .. ووجدوا على بصيص النور الذى لاح مع نور الفجر "سليمان" يستدير لمواجهتهم والدم ينـزف من كتفه ..

وتحت شجرة ضخمة .. يرقد الطيار الصهيونى ساكنا وقد مزق جسمه الرصاص ..
=================================
نشرت القصة بصحيفة الجمهورية فى 951968 وأعيد نشرها فى كتاب " صقر الليل " 1971
===================================

ص 14 المنارة ـ قصة قصيرة ل محمود البدوى

المنـارة
قصة محمود البدوى


كان الدكتور عبد الفتاح من أبرع الأطباء الشبان .. وكان قد قضى ثلاث سنوات فى الخارج يدرس طب المناطق الحارة .. فلما عاد إلى مصر اشتغل سنتين فى مستشفى الدمرداش بالقاهرة ثم انتقل طبيبا لوحدة مجمعة باحدى قرى الصعيد ..

وكان متزوجا من شابة جميلة ومتعلمة مثله .. ولكنها رفضت أن تذهب معه إلى الريف .. فسافر وحده وأقام فى البيت الذى أعدته له الحكومة ..

وكان يعمل باخلاص وعن عقيدة متمكنة ، وقد أفادته رحلته فى الخارج ، فأصبح أكثر تجربة ودراية بأحوال البشر ..

وكان هو المحرك فى الواقع للمجمع كله .. وعليه يتركز العمل .. لأن باقى الموظفين كانوا يتركونه بعد أن ينتهى عملهم ويسرعون إلى بيوتهم فى البندر .. أما هو فكان يبقى ويغرى الموظفين على البقاء .. لأنه كان يعتقد أن الريف المصرى لايمكن أن يتقدم أبدا .. مادام الموظفون يتركونه إلى المدينة ..


وكان يعتقد اعتقادا راسخا .. أن هذا المجمع نفسه .. سيخيم عليه الظلام وينسج عليـه العنكبوت خيوطه إذا ترك أمره للتمورجى والخفير .. وفراش المدرسة ..

وفى الشهر الأول من قدومه .. قابله الفلاحـون بالصدود والتوجس .. وكانوا يتركونه ويذهبون إلى أطباء البندر ..

وظل فى حيرة حتى عرف السبب .. فقد كان الطبيب الذى قبله يمتص دماءهم ويفرض عليهم أن يأتوا إلى عيادته ليتقاضى منهم أتعابه أضعافا مضاعفة .. فكره المرضى من الفلاحين المجمع .. وأصبح بناية بيضاء من غير روح تسيره ..

وظل الدكتور عبد الفتاح .. يقاوم هذا الجفاء بانسانيته وبصيرته حتى أعـاد ثقة الفلاحين إلى بناية الحكومة .. وتدفق عليه الناس كالسيل .. وكان المرضى يأتون إليه من كل القرى المجاورة ..

وكان إذا سمع بمريض عاجز عن الحركة يذهب إليه بنفسه .. ويظل يتردد عليه حتى يشفى ولا يتقاضى منه أجرا على الاطلاق ..

وإذا ذهب إلى البندر يكون كل همه أن يحصل على الأدوية النادرة التى تنفع الفلاحين .. وتعالج أمراضهم المزمنـة .. ويدفـع ثمنها من جيبه ..

وفى خلال فترة قليلة .. تحول الفلاحون إليه بقلوبهم .. وأصبح معبودهم وأدركوا أنه المصباح الحقيقى المنير فى القرية ..

وكان هو يشعر بسعادة غامرة .. وهو يرى الوجوه المنقبضة تتفتح للحياة وتتطلع إلى المستقبل ..

وكان الماضى يمزقهم .. خـداع الموظفين لهم .. واستغلالهم جهلهم .. وحيل الصراف عليهم .. وغشهم فى الشونة وسرقتهم فى الميزان .. عند توريد المحصول .. ومشاكل السماد والبذور .. ومياه الرى .. واضطرارهم .. إلى الاستدانة بالفائدة الباهظة ..

ثم الآفات الزراعية التى تنزل بهم .. كل هذه الأشياء حطمتهم .. وجعلتهم .. يمكرون .. ويسرقون .. ويكذبون .. ويخدعون .. ويقتل بعضهم بعضا ..
وكانوا يتوجسون شرا .. من كل شىء جديد ..

ولما قام المجمع .. بعيدا عن القرية .. تطلعوا إليه فى وجوم .. فلما سرت فيه الروح الإنسانية .. وأصبح منارة فى هذا الظلام .. أقبلوا عليه .. ونسوا الماضى كله ..

وسر الدكتور عبد الفتاح من نجاحه فى الريف .. سر لأنه استطاع أن يلمس قلوب الفلاحين .. وكان يزورهم فى القرية ويقضى الليل فى مجالسهم فى " المندرة " .. يستمع إلى شكاياتهم .. وأحاديثهم عن الزراعة وأحوال السوق ..

وكان الشىء الذى يحزنه .. أن زوجته بقيت فى القاهرة وتركته يجابه الحياة وحده ..

وكان يفكر فى أن يجعل حول البيت حديقة ناضرة .. وفى وسط الحديقة تكعيبة عنب ..

ويجعل من البيت جنة صغيرة تغنيه عن الذهاب إلى أى مكان ..

وكتب لزوجنه يصف أحلامه وما يعده لها ليحبب اليها الريف ويرجوها أن تحضر ولو فى زيارة قصيرة .. وردت عليه بأنها ستحضر فى يوم الخميس .. لتقضى معه أياما قليلة ..

وذهب ينتظرها على المحطة وعاد بها إلى بيته .. ورأت بعينيها البيت صغيرا ونظيفا .. ومضاء بالكهرباء .. وحوله الغيطان .. ولكن كيف تعيش وحيدة .. وسط أشجار النخيل .. ومع من تتحدث ومع من تقضى النهار .. وإلى أين تذهب فى الليل .. ولمن ترتدى الفساتين الشيك .. ولمن تتزين ..

قضت أربعة أيام فى عذاب وكأنها تعيش فى واحة .. وفى اليوم الخامس قررت أن تعود إلى القاهرة ..

وطلب الدكتور سيارة من البندر .. لتقلهما إلى المحطة ..

وفى الوقت الذى وصلت فيه السيارة .. جاءه خفير المجمع .. وأخبره أن فلاحا مريضا بالخارج فى حالة اعياء شديد يطلب الكشف ..

وأسرع إليه الطبيب فوجده بين الحياة والموت .. وكان قلبه فى حالة هبوط شديد فأعطاه حقنة مقوية ..

ولكن الرجل مات فى أثناء الحقنة .. وتألم الطبيب .. وصرخ أهل الميت .. وسرى خبر فى القرية .. أن الدكتور عبد الفتاح قتل الشيخ عبد الجليل بالحقنة التى أعطاها له ..

وتجمـع أهـل الميت .. وزحفوا على بيت الطبيب وفى عيونهم الشر .. وخرجت طلقة من أحد الفلاحين .. زادتهم هياجا .. ونسى الفلاحون كل حسنات الطبيب فى ساعة واحدة .. وتحولوا جميعا إلى وحوش ..

وبقى الطبيب فى الداخل يقابل هياجهم بالهدوء .. والصمت ..

وكان الخبر قد وصل إلى وكيل العمدة فأسرع إلى المكان .. ونهر الفلاحين وضرب الذى أطلق النار .. وقال لهم فى غضب :
ـ هل نسيتم كل ما فعله لكم الرجل .. انكم أنذال حقا .. ولا تستحقون الخير من انسان ..

واستمر يعنفهم ويوضـح لهم حقيقة الأمر .. حتى هدءوا وانصرفوا ..

***

وقالت ناهد لزوجها الطبيب .. بعد أن انصرف الفلاحون ..
ـ كيف تعيش وسط هؤلاء الوحوش ..؟
ـ هذا لامناص منه .. لأعيد إليهم انسانيتهم .. التى سلبت منهم على مدى السنين ..
ـ وهل أنت مسئول عن هذا ..؟
ـ إذا لم أكن مسئولا فمن هو المسئول ..؟
ـ ولكنك ستلاقى العذاب .. والأمر سيطول ..
ـ هذا صحيح .. ولكنى سأصـل إلى بغيتى حتما .. وأنا على يقين ..
ـ ألا تفكر .. فى النقل ..؟
ـ أبدا .. لن أفكر فى هذا .. سأبقى هنا .. لتظل هذه المنارة .. مضاءة ..
ـ إذن سأبقى معك .. لايمكن أن أتركك وحدك بعد اليوم ..

وسر منها وطوقها بذراعيه .. وطبع على فمها قبلة ..

وصرف العربة التى كانت ستقلهما إلى المحطة ..

====================================
نشرت فى مجموعة قصص لمحمود البدوى بعنوان " غرفة على السطح " فى مايو 1960ومجموعة " قصص من القرية " ـ مكتبة مصر
====================================