الثلاثاء، 2 يناير 2007

ص 20 القرية الآمنة ـ قصة قصيرة ل محمود البدوى

القرية الآمنـة

قصة محمود البدوى


قال رسـول الله ـ عليــه الصـلاة والسـلام ـ فى عمـر بن الخطــاب .. " لم أر عبقريا يفرى فرية " .. ولم نر بطل قصة مثل عبد المنعم أفندى الذى تدور حوله حوادث القصة ..

أرسله والده بعد البكالوريا إلى فرنسا ليدرس الطب ، وعاد من مونبلييه فى السنة الثانية من دراسته لنشوب الحرب العالمية الأولى ولوفاة والده لأنه وحيد أبويه من الذكور .. وقد ترك له أبوه أخوات شقيقات لم يتزوجن بعد وأعباء العمل فى الريف ..

وقد عاد ليرعى الشقيقات أكثر من عودته لأرض والده ، وكان أبوه عمدة وجده عمدة ..

فلما عرضوا عليه العمدية لم يتحمس لها أولا ، ثم خشى على حال الفلاحين فى قريته من الأسماء التى كانت معروضة .. خشى أن يجىء من يسومهم بجهله وسطوته العذاب ، فقبلها كرسالة يبلغ بها ما يريد لمن فى رعايته ، فقد وضع فى عنقه طوقا لايشعر به الكثير من الناس .

وكان الإنجليز يحكمون البلاد بغطرستهم ويسيطرون سيطرة كاملة على البوليس ـ ولهم طريقتهم فى القمع لمن يقف فى طريقهم ـ ومع أنهم لم يصلوا بسطوتهم إلى الصعيد وإلى ريفه على الأخص ، لأن الريف بعيد عن المظاهرات والاجتماعات ..

مع هذا .. فإن أول شىء فعله عبد المنعم أفندى وهو عمدة .. ألا يعرض أحـدا من أهـل بلده إلى هوان أو عدوان فى مركز أو مديرية .

وكانت قريته تقع على النيل مباشرة فى الخط الشرقى بعيدا عن شريط السكة الحديد .. ووراءها وبجانبها قرى كثيرة .. يصعد بعضها إلى الجبل الشرقى ..

وتكثر فى هذه القرى حوادث القتل والسلب والنهب والسطو على العزب وسرقة المواشى .. فى النهار والليل ، فأصبحت قريته وسط كل هذه القرى .. يصيبها من رشاشها وبلواها الكثير .. ولكنه وقف بحزم وصرامة ليبعدها عن مساوىء هذا الجوار .. ولتظل القرية آمنة .

وكان يعرف أن حوادث السرقة تحدث فى الليل للمواشى وهى عائدة من الحقول ، أو عندما تكون مربوطة فى الزرائب .. والذى يعود بالمواشى عادة هم الغلمان وفى أيديهم العصى ويوضع فى أيديهم السلاح ، وأرسل من الخفراء من يحرسهم على الجسور .. وعمل للزرائب دوريات وكان هو على رأسها ..

وكان للقرية سوق فى يوم السبت .. ومن الساعة السابعة صباحا يكون هو فى السوق .. ويكفى أن تهل طلعته لتستقر الأمـور ..

وكان يجعل التجار الأغراب الذين يبيعون القماش ولوازم الفلاحين .. يطوون بضاعتـهم ويرجعون إلى بلادهم قبل ظلمة الليل .

وأنار القرية كلها بالفوانيس .. الفوانيس مقامة على رأس الدروب ووسطها .. وجعل الفلاح القادر يدفع لغير القادر .. فى تكاليف هذه الانارة وصيانتها ..

كما خصص لكل ضرب من يعنى بنظافته من روث البهائم العائدة من الحقل .. ومن التراب والهباب .. فبدت القرية متألقة نظيفة كأنها من قرى فرنسا ..

وعندما يعلو النيل فى زمن الفيضان .. تكون شهور الأمان فى كل القرى .. لأن النيل يغمر الحقول والحياض بزبده الأسود وتمتلىء الحياض ويصبح السير على الجسور فقط .. فيتحدد خط السير بالنسبة للصوص ، ولذلك يتوقف نشاطهم فى هذا الفصل من السنة .. يتوقف كلية .

ومع هذا فإن عبد المنعم أفندى كان يخرج بجواده ومعه شيخ الخفراء وبعض الخفراء على الحمير .. ويمرون بكل العزب المجاورة .. ويقطعون الجسر بكل طوله ودورانه .

وكانت له هيئة على الجواد كفارس .. حتى انك تعجب كيف سيكون هذا طبيبا لو أتم دراسته .. مع أنه لايحمل شيئا من طباع الطبيب ولا خصائصه .. وإنما خلق ليكون فارسا بكل طبـاع الفارس .

***

وكان العمد فى القرى المجاورة يحسدونه على حزمه وسطوته .. وطريقته فى معالجته الأمور .. ويقولون أنه يستعين بقطاع الطرق ورجال الليل فى إعادة المسروقات ..

ولكن ببصيرته وحدة ذكائه وخبرته كريفى .. كان يصل إلى أشياء كثيرة يجهلها الناس .. فسارق الجاموسة التى يجرها غلام .. لا يسطو على عزبة !.. وقاطع الطريق لتاجر القمـاش العـائد من السوق على حمـار .. لايسـطو على خزانة ..!

ولذلك كان يتوصل سريعا إلى معرفة المصدر ..

***

وزاره الشيخ عبد اللطيف ودعاه إلى فرح ابنه .. فسر العمدة وبارك الابن ..

وقال الشيخ عبد اللطيف كالمتردد لأنه يعرف طباع العمدة ..
ـ وتسمح يا حضرة العمدة .. سنجىء بغازية ..؟
فردد العمدة :
ـ غازية ..!!

واضطرب الشيخ عبد اللطيف .. لرنة الاستنكار التى لاحظها فى صوت العمدة ..

ـ أيوه .. يا عمدة ..

ولانت ملامح العمدة وتطلع إليه مبتسما .. وسأله :
ـ ياشيخ عبد اللطيف .. ولكن أرجوك أن تنومها بعد الفرح .. فى بيتك .. ولكن ليس فى سريرك ..!!

وضحكوا ..

ـ ستنام يا عمدة .. عند جليلة ..
ـ أحسنت الاختيار .. فجليلة بيتها نظيف وزوجها مسافر .. ولماذا البيات وخليها ترجع البندر فى نفس الليلة ..
ـ الغازية .. ستمكث هنا اسبوعا .. يا حضرة العمدة ..
ـ أسبوع ؟! .. ولماذا كل هذه المصاريف ..؟
ـ طلب الحريم .. يا عمدة .. والابن وحيد ..
ـ ربنا يبارك ويجعله فرح القرية كلها ..

***

وقبل منتصف الليل .. وفى أول ليلة من ليالى الفرح أطل العمدة على المكان فوقف الحاضرون جميعا وخيم الصمت .. ثم أخذ العمدة يصافح الموجودين من أهل القرية وبارك أهل العروسين ..

وقالت الغازية .. عندما رأته .. للشيخ عبد اللطيف ..
ـ من هذا الذى وقف له الناس جميعا ..؟
ـ إنه العمدة ..
ـ سأرقص أمامه ..؟

فرد الشيخ عبد اللطيف ..
ـ حاذرى .. سيدبحك ..

ولكنها مشت متهادية بكبرياء تحرك صاجاتها وتهز وسطها لترقص أمامه .. ترقص له وحده ..

ووقفت أمامه فعلا .. وعندما أصبحت على بعد خطوة منه .. شعرت بهيبته .. فتخشبت ولم تبد .. حركة واحدة ولا رنة صاج .. وزاغت عيناها .. واضطربت .. وظلت فى مكانها جامدة كالتمثال .. وخيم الوجوم على السامر ..

ثم سمعت من يصيح بها .. ويصفق لينقذ الموقف وأمسك بيدها الشيخ عبد اللطيف .. وحركها إلى صف شباب القرية .. ورقصت أمام عدلى أصغر أبناء العمدة طويلا لتخفى خجلها مما حل بها .. وداعبها عدلى بالحديث ونقطها ليسرى عنها ..

***

ودخل العمدة بيته على غير عادته يصلى العصر .. وكان يصليه تحت فى الدوار .. فوجد صالة البيت ممتلئة بالفلاحات .. وأصابهن بمرآه ما يشبه الذعر .. فاضطر أن يعود من حيث أتى ويصلى تحت .. وفى الليل قال لزوجته وظل ابتسامة مع نبرات صوته :

ـ أليس هـذا العيب وأنت المتـعلمة أن تؤمنى بالخرافــــات ..؟
ـ أية خرافات ..؟!
ـ رأيت فلاحة تتخطى عقدا من الخرز .. لتحمل ..! وكل هؤلاء جئن للحمل ..!!
ـ أجل ..

وضحكت .. زوجته بعزوبة ..
ـ أعرف أنها خرافة .. ولكن إيمانهن بهذه الأشياء يجعلها أكثر نفعا لهن من كل أدوية الطب .. إنهن يسترحن نفسيا بعد تخطى هذه التعويذة .. ولا شىء فى هذه التعويذة على الاطلاق ينفع الحمل .. وهن يأتين إلى هنا .. بعد أن فقدن الخير من الطب كما يذهب الناس إلى أضرحة الأولياء بعد أن يفقدوا الخير من القائمين عليهم ..

واستطردت بابتسامة .. وفى صوتها حماسة ..
ـ شكوى من مظلوم ومضطهد ومعذب لصاحب الضريح .. بعد فقد الثقة فى كل الناس .. ولو كنتم تنفعون الناس ولمسوا منكم صلاحية مالجأوا للأضرحة قط .

ـ ولكنا ننفعهم أو بعضنا ينفعهم على الأقل .. لاتجعلينى أشعر بالمرارة ..!

ـ لا أتكلم عنك .. وسيرتك على كل لسان .. ووجود هؤلاء النسوة فى بيتك هو انتصار لك ..

ـ ولكن من أعطاك هذه التعويذة .
ـ جدتى .. رحمها الله ..!
وضحك ..

***

وذات ليلة سمع الخفير فى الدرك صرخة .. وعلى أثرها أقدام شخص يعدو فى الدرب بسرعة وجرى الخفير وراءه .. وكانت المسافة بينهما طويلة .. وخشى الخفير ألا يلحقه ويمسك به .. لأن من يلاحقه كان أسرع منه جريا .. وخشى من كان يجرى أن يلحقه الخفير والدرب مضاء بالفوانيس فأطلق طلقة على أول فانوس صادفه فأطفأه .. وخيمت الظلمة .. وساعدته هذه على الجرى أكثر .. حتى خرج من الدرب والقرية إلى الفضاء الواسع .. وأصبح لايسمع أقدام الخفير وراءه ولاحسه ..

وأول شىء صادفه فى الظلمة الطاغية .. بعد أن خرج من القرية وهو يعدو .. مبتعدا عن الجسر .. بياض أجران القمح .. وتذكر الشيخ عبد المطلب حارس الأجران .. فشعر قلبه بالاطمئنان والأمان .. فأسرع إليه ودخل عريشه ..

وكان الرجل الطيب قد سمع الطلقة التى لم يسمع مثلها منذ سنوات .. ورأى الرجفة فى وجه الشاب .. فلم يسأله لحنكته عن شىء وأخذ يرحب به ثم فرش له لينام .

وكان العمدة قد سمع الطلقة التى لم يسمع مثلها منذ سنوات .. ورأى الرجفة فى وجه الشاب .. فلم يسأله لحنكته عن شىء وأخذ يرحب به ثم فرش له لينام .

وكان العمدة قد سمع الطلقة فى أثناء جولته المعتادة بخفرائه ورأى الشبح وهو يجرى ويدخل الأجران .. وعلم أن الطلقة انطلقت فى الدرب وأطفأت الفانوس .. وأن خفير الدرك لم يستطع أن يلحق بمن أطلق النار .. بسبب موقعه من الدرب فى ذلك الوقت .. فقد كان فى جنوبه عندما انطلقت الطلقة فى شماله .. وأنه فى تحركه أمام أبواب الدرب سمع صرخة خرجت من فم امرأة مذعورة ..

فجرى نحو مصدر الصوت .. وقرع ثلاثة أبواب فى الدرب متلاصقة .. حددها كمصدر للصوت .. ولكن واحدة من الثلاث لم تحدثه بأنها صرخت .. وعندما جاء شيخ الخفراء كان نفس الرد ..

وكان هذا الانكار متوقعا من النسوة الثلاث .. فلم يلح عليهن شيخ الخفراء .. ما دام الصراخ اقترن برجل دخل البيت فى عتمة الليل وسكونه .. ولم يكن هذا الرجل لصا .. لأنه ليـس فى هذه البيوت الثلاثة ما يغرى اللص على السرقة ..

ووقف العمدة بجواده على الجسر .. يرقب الشبح وهو يدخل بين صفوف الأجران المتراصة .. فأطلق طلقة فى الهواء .. وسمع صوت الشيخ عبد المطلب .. يثنيه عن المضى فى الضرب فكف .. ونزل من فوق الجسر واتجه إلى الأجران ..

ووجد العمدة الشيخ عبد المطلب جالسا على جرن مدروس .. بعيدا عن العريشة فترجل عن جواده وسلم عليه وصرف الخفير بالجواد فقد انتهت جولة الليل .. وشد الخفير الجواد والحمار وانطلق إلى الحوش ..

وقال الشيخ عبد المطلب :
ـ مرحبا .. يا عمدة ..
ـ مرحبا .. يا شيخ عبد المطلب .. لقد عرفت صوتك .. وأقلعت بعدها عن الضرب ..

ـ الحمـد لله .. فعلــت الخير .. فمن كان يجرى لم يكن لصا ..!!

ـ من يكـون الذى يجــرى فى ظلمـة الليل .. إن لم يكن هذا ..؟

ـ يكون يجرى من الكلاب .. او من الخوف .. الليل رهيب ياعمدة فى الريف .. ولهذا تخرج أنت وتقوم بدورتك الليلية لتشيع الأمان فى قلوب الناس .. وتطرد عنهم شبح الخوف .. الخوف رهيب يا عمدة ..

ـ ولماذا أطلق النار ..؟
ـ النار أطلقها على فانوس ..! لأول مرة يشعر الإنسان بأن الظلمة .. أحسن من النور .. ولماذا خلق الله الظلمة ..
ـ وأين هو يا شيخ عبد المطلب ..؟
ـ إنه عندى ..
ـ أريده وجئت لآخذه ..
ـ فى الصباح .. سآتى به .. وأسلمه بيدى ..
ـ ولكن جئت لآخذه الآن ..

ـ لقد احتمى بى يا حضرة العمدة .. وأنت تعرف طباع الفلاحين فى مثل هذه الحالة ..
ـ وأنت تعرف طباعى يا شيخ عبد المطلب .. ولم يحدث قط أن أفلت مذنب أبدا من قبضة يدى ..

ـ إنه غير مذنب .. فلا هو لص .. ولا سارق .. ولا قاتل .. ولا رجل ليل .. ليس من هذا الصنف من الناس إطلاقا .. ليس من هـؤلاء إطلاقـا .. وحتى لو كـان من هؤلاء واحتمى بى فأنا لا أسلمه ..

خرجت من فم الشيخ عبد المطلب هذه الكلمات الأخيرة كالقذيفة .. وتغير لونه ..

وظهر الغضب على وجه العمدة .. فلأول مرة فى حياته يسمع مثل هذا التحدى الصارخ .. ولأول مرة يعجز عن تنفيث غضبه أمـام وجه الشيخ المضاء بنور التقوى .. وأمام شيخوخته المتهالكة ..

وأدرك الشيخ عبد المطلب عجز العمدة عن تنفيث غضبه .. وأنه أخطأ فى التعبير .. وشعر بالأسى يحز فى نفسه .. وأخضلت عيناه بالدموع ..

وقال العمدة يسرى عن الشيخ عبد المطلب ويلاطفه :

ـ الطلقة يا شيخ عبد المطلب زلزلت كيان نفسى الساكنة .. ولابد أن أعرف مصدرها وسببها لأستريح ..
ـ ستعرف وتستريح .. فاطمئن ..

ونهض العمدة وسلم على الشيخ عبد المطلب .. ولأول مرة يدخل بيته كاسف البال حزينا .. ولاحظت زوجته ذلك .. ولكنها لم توجه إليه أى سؤال ..

وأدركت بفطنتها أن الطلقة النارية التى سمعتها هذه الليــلة أطفأت النـور والأمان اللذين كانا يضيئان سماء القرية .

***

وقبل نور الفجر .. تسلل عدلى أصغر أبناء العمدة من عريشة الشيخ عبد المطلب وهرب من القرية .

ولما علم الشيخ عبد المطلب بأن عدلى خرج من العريشة فى فحمة الليل وهرب .. شعر بالأسى الشديد والألم .. لأنه لم يستطع أن يوفى بوعده للعمدة .. ويسحب عدلى من يده ويسلمه لوالده ولكن الابن خذله وضيع كل ما دار فى رأسه من خواطر ..

لقد كان يود من تأخير اللقاء بين الولد وأبيه إلى الصباح .. أن تهدأ ثورة الغضب فى الوالد بعد الطلقة وظرف الساعة .. وأن يجلوها الصباح .. ويحق له فى هذه الساعة أن يسترحم ويرجو الصفح ..

ولكن عدلى خذله وهرب .. وجعله يقف هذا الموقف الشائن لأول مرة فى حياته .. ولا يدرى الآن كيف يواجه العمدة أو يواجهه العمدة .. فرش الحصير أمام العريشة بعد أن توضأ وصلى ..

***

وفى الصباح علم العمدة .. بأن الذى كان مختبئا فى عريشة الشيخ عبد المطلب هو ابنه عدلى .. وأنه غافل الشيخ عبد المطلب فى سحرة الليل وهرب ..

وأرسل العمدة وراءه من يبحث عنه فى كل القرى والعزب المجـاورة .. ولكن عـدلى ترك المنطـقة كلها وسـافر إلى جهة بعيدة ..

وظل عدلى هاربا .. وخيم الوجوم على بيت العمدة .. وكانت والدته أشد الناس حزنا .. وحل بها المرض والصمت الأخرس .. كانت تود أن تلوم زوجها ولكنها لم تستطع .

وأرسل العمدة ابنه توفيق ليبحث عن عدلى فى القاهرة عند كل الأهل والصحاب ومن يعرف أنه يتردد عليهم .. وعاد توفيق بعد ثلاثة أسابيع دون أن يقف له على أثر .

وضاعف ذلك من هول الموقف .

***

وكان عدلى قد كشف سره كله وحكى للشيخ عبد المطلب كل مـا حـدث فى هذه الليلة .. ولماذا أطلق النار على الفانوس ..

كان قد واعد " الغازية " وهى ترقص فى اليوم الرابع من الفرح .. على زيارتها فى الليل فى بيت جليلة حيث تنام كل ليلة .. ولم يدخل البيت من الباب .. وإنما قفز اليه من شونة تبن .. وشونة التبن أوصلته إلى بيت الدلالة بدلا من بيت جليلة التى تقيم عندها الغازية ..

وجاءت الصرخة من الدلالة .. فتراجع عدلى سريعا خوفا من الفضيحة وأصبح فى الدرب .. ولما شعر بالخفير وراءه أطلق النار على الفانوس .. وجرى كل ما جرى بعد ذلك .. بالصورة التى أرادها القدر .. فالبيوت الثلاثة المتلاصقة والمتشابهة فى أسطحها وبنيانها عصمته من الزلل ولكنها أوقعته فى حيرة ولقنته درسا لن ينساه .

وطمأنه الشيخ عبد المطلب وسرى عنه .

وكتم الشيخ عبد المطلب السر الذى حدثه به عدلى ..
ولما شاع الخبر فى القرية على وجوه كثيرة ، نفاه كلية .. وقال لهم إن عدلى سافر فجأة لأنه سرق مبلغا كبيرا من خزانة أبيه .. ومع ذلك ظلت الأقاويل تدور .. ثم أنستهم الأيام بضجيجها وطحنـها بعض أو كل ما حـدث فى هذه الليلة .

***

وذات ليلة خرج العمدة فى جولته الليلية المعتادة ومعه خفير واحد .. وأبعد هذه الليلة حتى خرج عن نطاق القرية وحدودها إلى حدود القرى المجاورة .. وكان الليل صحوا لاتلبده الغيوم .. ولكن ريح الشتاء عاصفة ..

وفجأة دوت طلقات نارية شديدة .. اختلطت مع أزيم الريح وأصبحت كعواء الغيلان .. وتنبه الجميع للصوت الجديد الذى لم يألفوه فى حياتهم ولا عهد لهم به .. واستيقظ من كان نائما .. وتحرك من كان جالسا .. ومشى من كان واقفا .. وجاء الخبر أسرع من البرق ..

ـ عبد المنعم أفندى قتل ..
ـ كيف ..؟!
ـ دخل فى معركة رهيبة مع اللصوص فى باطن وادى الجرف .. وقتلوه ..

وتحركت الجموع على الجسر من أهل القرية ومن أهالى كل القرى المجاورة كانوا يسمعون به ويحبونه جميعا لعدله ونظامه ورحمته بالضعفاء وشدة بطشه بالأقوياء .. ويعتبرونه عمدتهم الحقيقى .. وكم ذهبوا إليه للحكم والمشورة .. والنصيحة .. وما خالفوه أبدا فى كل ما حكم وقرر .. وكم كان حكمه صائبا .. ورأيه عظيما .. كم كان ذلك .. ولهذا أحبوه وخرجوا الآن لملاقاته حيا أو ميتا ..

سدت الجموع المتحركة الجسر وتحت الجسر .. وثار التراب والغبار وأصبحت الرؤية مع ظلمة الليل .. ضعيفة ولكن الجموع ظلت تتحرك فى إصرار ..

وبرز من تحت الجسر .. الحصان الأشهب ، حصان عبد المنعم أفندى وعليه فارسه .. كان متلفعا من الريح والغبار .. ولكن عينيه كانتا تبرقان فى الظلمة بوهج شديد .. وهج الانتصار ..

وكان الخفير وراءه يربط ثلاثة فى رسن الحمار .. ثلاثة من اللصوص .. جرح منهم اثنان .. واستسلم الثالث بكامل قوته وسلاحه .

وكان قطيع الماشية المسروقة وكله من خيار البقر .. قد دفعه فارس الجواد ناحية .. حتى يستوى على الطريق السهل الموصل للقرية .. وفى الساحة الواسعة وأمام دوار العمدة ، سيأتى أصحاب هذا القطيع وكلهم من القرى المجاورة لاستلام بقرهم وثيرانهم .. لايوجد فى هذا القطيع بقرة واحدة من قريته .. وكم شعر بالفرح لهذا ..

هللت الجموع على الجسر وصفقت وأطلقت الأعيره النارية ابتهاجا بعودة العمدة وانتصاره .

***

وفى الخريف .. عندما يتساقط ورق الشجر فى القرية .. وتسكن الريح .. سمع أهل القرية جواد عبد المنعم أفندى وهو يصهل .. صهل ثلاث مرات .. فى نغم واحد .. وكان بعد كل صهيل يحرك رأسه ..

وتنبه الناس لصهيل الجواد .. كان عبد المنعم أفندى وحده على الجسر .. لم يكن معه خفراء ..

وأمام ساحة الدوار .. اعتمد على ساعد ابنه توفيق وهو ينزل من فوق الحصان ..

وفى الليل شعر بدبيب المرض وكانت زوجته تروح وتجىء كالمجنونة فى رحبات الدار .. تقدم له هذا الشراب وتمنع ذاك ..

واشتاق إلى عدلى .. بلوعة الأب لابنه .. وفى صباح فتح عينيه ووجد عدلى بجواره يقبل يديه ويمرغ رأسه فى صدره .. ومسح الأب بيده على رأس ابنه .. مسح بيده على رأس ابنه وكأنه يباركه ويدعو له .. أو كأنه يسلمه الزمام .. فقد كان توفيق مشـغولا بكليتـه فى الزراعـة وطيبا إلى درجة لاتؤهله لمسك الزمام ..

***

ولم يطل مرض عبد المنعم أفندى .. وقبل أن ينتهى الخريف اسـتراح مـن كل الأعبـاء .. وكانت جنازته كحياته شغلت كل النـاس ..

***

وبعد أيام الحداد .. شاهد أهل القرية ابنه عدلى على الجسر .. فوق الجـواد الأشهب ومعه ثلاثة من الخفراء .. وفى أيديهم السلاح ..
=================================
نشرت القصة بصحيفة أخبار اليوم المصرية فى 8 سبتمبر 1984 وأعيد نشرها فى كتاب " الغزال فى المصيدة " لمحمود البدوى عام 2002
=================================



ليست هناك تعليقات: