الثلاثاء، 2 يناير، 2007

ص 16 وردة الجميلة ـ قصة قصيرة ل محمود البدوى

وردة الجميلة
قصة محمود البدوى

كان الجو ينذر بالعواصف ، ولكن " كامل " لم يؤجل سفره وأخذ أول قطار فى الصباح ونزل منه فى المحطة التى سيتجه منها إلى القرية ..

والمواصلات من هذه المحطة إلى قرية " الزعفران " رديئة للغاية .. وندر أن يقبل سائق عربة ولو كانت من طراز فورد القديم أن يحملك إليها حتى لو ضاعفت له الأجر ثلاث مرات ، لوحشة الطريق ووعورته

واستطاع " كامل " بعد جهد أن يوفق إلى عربة ، قبل سائقها العجوز أن ينقله إلى هناك بعد أن أجزل له " كامل " العطاء ، وكشف له عن غرضه من الزيارة ..

وتحرك السائق فى جسر ترابى كثير المنحنيات والمطبات .. والشمس غائبة وراء سحاب رمادى قاتم .. والريح تعول بين أشجار النخيل والجميز والسنط .. وتسفى الغبار فى وجه السائق وراكبه الوحيد .. وتحوج الخضرة على جانبى الجسر ، وتكسوها بلون داكن ..

كانت زراعة البرسيم والقمح والقصب تغطى الأرض فى مساحات واسعة .. والطيور تحلق مذعورة ، وأعمدة البرق تئز من هول الريح ..

وقلبت العاصفة كل شىء أخضر ، وحولته إلى رماد يتصاعد كثفا ، ويدور مع العاصفة التى تنفجر حمولتها فى النيل .. وقد ألقت المراكب المتأرجحة مراسيها ، وطوت قلوعها ..

وبلغ " كامل " أبواب القرية والشمس تميل إلى الغروب ، والتراب يغطى سترته وشعره ووجهه ..

وكان المسجد هو أول بيت دخله فى القرية ، فاغتسل من غبار الطريق وتوضأ وصلى ..

ولما خرج من المسجد يتلفت فى الساحة ، وجد " وردة " أمامه .. وردة الجميلة زهرة صباه واقفة تحدق فى هذا الأفندى الذى يخرج من المسجد ، وكأنه هبط عليها من السماء .. تتفرس فيه وتستغرب ، ثم تنبهر أنفاسها وتقول :
ـ كامل ..؟
ـ نعم .. يا وردة ..
ـ وعرفتنى ..؟!
ـ بالطبع .. عرفتك يا وردة .. فلم يتغير فيك شىء .. ولا زلت فى جمالك ونضارتك ..

وكان يكذب ، فقد أخذت بوادر الشيخوخة ترسم الخطوط البارزة على وجهها .. خطوط الزمن ..

واستغربت الزيارة بعد هذا الانقطاع الطويل ، فسألته :
ـ ما الذى جاء بك ..؟
ـ جئت لأراك يا وردة .. اشتقت إليك ..
ـ هل هذا كلام يقال لمن فى سنى .. ألا زلت كعادتك تضحك على الفلاحين ..؟
ـ أبدا .. يا وردة .. جئت لأراك .. أين بيتك ..؟
ـ هناك .. فى نهاية البيوت ..
ـ وبيتكم القديم ..؟
ـ أكله البحر .. وجرفه التيار .. أصبح أكل بحر !!

وكانت تتـكلم بطلاقة وسخرية ، ولكن وجهها احتفظ بطابع البشر .. لم يرهـا بمثل هذا الجمال رغم شيخوختها .. كانت روحها الجميلة تضفى على كيانها الصغير جوا آسرا حالما ..
وسألها :
ـ أين أولادك ..؟
ـ ليس عندى سوى ولد واحد .. " سالم " ..
ـ يعيش .. أين هو ..؟
ـ فى الغيط .. سارح بالجاموسه ..
ـ أريده الساعة .. ليرافقنى إلى عزبة الست خديجة ..
ـ الست خديجة فى هذا الجو ..؟ .. مستحيل ، أنظر إلى الريح .. وإلى النهر .. أصبح النهر فى لون الرماد .. والمراكب طاوية أشرعتها ..
ـ لماذا ..؟
ـ لن تجد الملاح الذى يوافق على الاقلاع فى هذا الجو العاصف .. استرح فى بيتى إلى أن يعتدل الجو ..
ـ الجو .. لايبشر بالتحسن ..
ـ سيتحسن بعد الغروب ..
ـ وكيف أذهب فى الليل ..؟
ـ استرح عندى إلى الصباح ..
ـ عندى أعمال كثيرة .. ولا بد من نقلها اليوم إلى المستشفى .. إن حالتها سيئة للغاية كما سمعت .. ولهذا جئت على عجل رغم رداءة الجو .. وجعلت العربة التى أقلتنى تنتظر على الجسر .. لنقلها فيها إلى المستشفى ..
ـ لم يفكر أحد من أقاربها الذين ينعمون بخيراتها فى نقلها إلى المستشفى منذ أصابها الشلل .. وتفكر أنت الغريب عنها فى هذا .. كم أنت طيب ..!
ـ انها وحيدة ومسكينة .. ولجحود أهلها ونكرانهم لحالها أسرعت لمساعدتها .. فأرجو أن تساعدينى .. وابعثى من يأتى بسالم ..
ـ عندما يعتدل الجو .. ستجد عشرة من الرجال يساعدونك ومعهم سـالم .. فلا تبتئس .. هيا إلى البيت لتستريح .. واصرف العربة ..
ـ وكيف أرجع إلى المحطة .. ومعى المريضة ..؟
ـ سنجىء لك بعربة أحسن منها .. عندنا .. هنا فى القرية ..
ـ اتفقت مع السائق على أجر الذهاب والعودة ..
ـ أعطه الأجر وخيره .. بين البقاء والذهاب ..

وصرف العربة .. واتجه إلى بيتها .. ودخل المجاز .. وكانت وردة أمامه بجلبابها الأسود ، وطرحتها على شعرها .. وتلفتت إليه وقالت بوجهها الباسم الذى لايزال محتفظا بكل تقاسيمه الجميلة :
ـ تعال هنا .. قريبا من الفرن ..

وجلس مستريحا على مصطبة فرشتها له بالأكلمة والمخدات .. وعيناه تتبعانها فى حركتها الدائبة فى أرجاء البيت الصغير .. تتحرك من الفناء إلى الكانون .. لتغذى النار وتضع الشاى .. وتطرد الدجاج وهو يصوصو .. تطلع إلى الغرفة العلوية وتنزل حاملة طبقا فى يدها .. وتدفع بابا صغيرا يفضى إلى بستان نمت فيه نخلتان بعمر هذا البيت الجديد .. بعد أن أكل جرف النيل البيت القديم .. وفى هذا البستان ترقد الجاموسة بعد أن تعود من الحقل ويمرح الدجاج والأوز ..

وطافت برأسه الذكريات الحلوة عندما زار هذه القرية فى صباه ونزل ضيفا عند صهر له .. ورأى " وردة " لأول مرة .. وكان بيتها الصغير ملاصقا لبيت صهره الكبير .. وتراه وردة يخرج من " الحوش " بأحسن الجياد وينطلق به على الجسر كأجمل الفرسان .. ويتعلق نظرها به .. ويتعلق بها .. ويرى البلح فى نخلتها فتقدم له التمر .. ويقول لها إنه يريد أن يطلع النخلة فتخشى عليه من السقوط وترفض ..

وكلما وقع بصره عليها .. تطلع إليها وإلى النخلة .. وكان يراها دائما وحدها على السطح تعمل " الجلة " ..

وفى ظهر يوم شديد الحرارة بصرت به يدخل بالجواد عدوا إلى " الحوش " فارتجف قلبها وخشيت أن يدق عنقه .. وظلت مذعورة ترتعش حتى شاهدت الجواد يلقيه أمام بابها ..

وتحامل عليها وأدخلته فى بيتها ، وأجلسته على حشية .. وكان الدم ينزف من ركبته فغسلت الجرح ، وحشته بالبن وربطته ، وهى تنظر إلى وجهه بحنو .. وتتحسس جسمه خشية أن يكون قد أصيب من السقطة فى موضع آخر ..

مرت هذه الذكريات فى رأس " كامل " كالحلم ، وهو جالس فى بيت " وردة " الجديد .. كما كان يجلس فى بيتها القديم ..

تبعها بصره وهى تتحرك الآن ، وتقدم له كوب الشاى كما كانت تفعل فى الماضى .. وتنظر إليه بنفس النظرة الآسرة .. وفيها كل الحنان الذى كان يتعطش إليه ، والذى كان يفتقده ..

شرب " كامل " الشاى وشعر بالدفء ، وكانت الشمس لا تزال طالعة ، ولكنها صفراء مغبرة .. والريح عاصفة فى القرية الصغيرة ، تحرك فروع النخيل ، وتثير دوامات من الغبار فى الطرق المتربة .. وتذرى ذرات التبن وورق البوص ..

ورأى " كامل " من فتحة الباب البهائم راجعة من الغيطان وعلى ظهورها الخيش .. ليقيها من البرد وفوق الخيش أحمال البرسيم زادها فى الليل .. أو زاد من كان منها فى عمل فى الحقل أو فى السوق ..

كان يسمع صوت حوافر البهائم وخوارها ، وهى تمر قريبا من البيت ، وأمامها وخلفها الصبيان بالعصى الطويلة يحثونها على السير أو الميل إلى جانب الطريق ..

كانت " وردة " كلما زفت الريح تحمل " لكامل " دثارا جديدا .. بطانية أو كليما .. وكان يتأثر من هذا الحنان ..

بعد كل هذه السنوات الطوال يعود إليها فيجدها على حالها كما هى فى بيتها .. بنته على غرار البيت القديم .. لم تزد عليه طوبة ولم ينقص حجرا .. على حالها من الفقر .. ولكن فقرها لم يغير طبعها من الكرم والسماحة .. كريمة تجود حتى بالنفس فى سبيله ..

ومذ وقع بصرها عليه انتابتها حالة من النشوة والصحوة .. لم تمر مثلهما على أنثى فى مثل سنها .. كانت تود أن تحتضنه كما كانت تفعل فى صباهـا تضمه إلى صدرها وتضغط .. وتضغط حتى يختلط عرقها بعرقه ، وتمتزج أنفاسها مع أنفاسه .. كانت تود أن تفعل هذا لولا وقار السن ، وضعف الشيخوخة ..

عادت تتذكره عندما كان ينام فى بيتها .. كان يضم رجليه إلى بطنه ويتكور .. كان يود أن يعود طفلا ، ويتخذ وضع الطفل فى بطن أمه .. ليشعر بالدفء والحنان ..

لم تكن تدرى أهذه النومة .. نومة خوف من ليل الريف الرهيب .. من القدر .. من ضربة الحدثان .. من شىء مجهول يأتى به الليل .. يأتى به الظلام .. تأتى به الرياح العاصفة فى الشتاء .. يأتى به عراك الأشجار فى الليل وهى تتصارع مع الغيلان فى غيطان الشيخ " محفوظ " القريبة منهم ، غيلان تتصارع فى الليل .. وفى هذه الغيطان لكثافتها وضلال مسالكها يدوى الرصاص ويسقط الصرعى ..

إنها كمين مستوحش يستخفى فيه الوحش الآدمى بكل ما فيه من حقد وعداء وضراوة .. لينفجر فى ساعة الغضب ، عندما يميل ميزان العقل ، ويفلت الزمام ..

ويمر الفلاحون من هناك فى الليل بعد عودتهم من الحقول ، وبأيديهم المدافع الرشاشة وأصابعهم على الزناد .. لأنهم يتوقعون الشر من أعدائهم لثأر قديم .. لثأر قديم جدا .. وقد يطويه الزمان وتخمد جذوة النار .. ولكنه لأتفه سبب يعود ويتجدد .. وتشتعل النيران من جديد ..

وابنها " سالم " يمر من هناك كذلك .. لأنه الطريق الوحيد .. عائدا بالجاموسة من الغيط .. وعلى ظهره حزمة البرسيم .. وبيده عصا قصيرة .. إنه لايحمل سلاحا ..

وفى كل ليلة إذا تأخر عن الغروب يشل حركة قلبها الرعب .. وتجد نفسها تتحرك فى أرجاء البيت كأنها تبحث عن الشىء الذى ينقصها فى مثل هذه الحالة .. الشىء الذى فقدته مع زوجها ..

ثم تتناول بندقيته القديمة .. وتقف على رأس الجسر .. تقف شامخة .. تتحدى الليل ، وصراع الغيلان .. تتحدى الشر بكل ضروبه وألوانه ..

إن الولد سالم أعزل لا يحمل ضغنا ولا حقدا على أحد .. وليس بينه عداوة لإنسان فى القرية أو ما يجاورها من قرى وعزب .. ولكنه يسوق فى فحمة الليل جاموسة غالية الثمن جدا .. وهى مطمع لكل قاطع طريق ..

وفى كل صباح عندما يخرج " سالم " بالجاموسة كانت أمه تود أن تقول له :
ـ لا تتأخر يا سالم عن الغروب ..
ولكنها تخشى أن تعلمه هذه القولة الخوف .. وتشيع فى قلبه هذه الجرثومة .. جرثومة الخـوف .. وهى تحب أن تجعله رجلا وسط الرجال .. وإلا سحقوه كأنه دودة من ديدان الغيط ..

ولهذا كانت تتركه على حاله يتصرف تصرف الرجال .. وإن لم يبلغ بعد مبلغ الرجال ..

وذات مرة تأخر كثيرا عن ميعاده .. فسألته برقة :
ـ لماذا تأخرت هكذا ..؟
ـ كنت أحش " البرسيم " من الغيط يا أماه لبنات " ربيع " .. إنهن جيراننا .. وصغار ..

وابتسمت .. كانت تحب فيه هذه المروءة .. ولا تثقل عليه .. ولا تشيع فى قلبه الخوف من رهبة الليل .. لأنه شجاع .. ربته على الشجاعة لأنه رجل .. أما هى فتخاف وتخاف .. وخوفها خوف الأمومة الكامن فى القلب ..

أشعلت " وردة " السراج بعد أن سقط الليل بغياهبه ..
وفى فحمة الليل وسكونه .. سمعا معا طلقات الرصاص .. فأمالت " وردة " رأسها ناحية الصوت ، واكتسب وجهها كله هيئة المتصنت .. ولكنها لم ترع .. ولم تتجهم ملامحها .. كانت أذناها تلتقطان مصدر الرصاص ، وتحددان مكانه بغريزة الريفية ..

وتحركت " وردة " ورآهـا كامـل تسحب البندقية المعلقة فى القاعة .. وتتجه ناحية الباب ، فقال لها بصوت هادى :
ـ سأخرج معك ..
ـ أبدا .. كما أنت فى مكانك ..
ـ إن دوى الرصاص يقترب منا ..
ـ وما شأنك به .. إنه شىء مألوف فى الريف ..
ـ لن أدعك تخرجين وحدك فى ظلام الليل ..
ـ سأقف على رأس الدرب .. أستطلع الأمر .. وأنتظر " سالم " .. والرصاص بعيد .. بعيد جدا وليس كما تتصور ..
ـ مهما يكن الأمر .. سأخرج معك ..
وخرج معها .. وفى غلس الليل وقفا على رأس الدرب ..

وكان الفلاحون يتعشون داخل بيوتهم ، ويعرفون بالغريزة أن الرصاص بعيد .. ولا يعنيهم فى شىء ..

وكانت الكلاب تنبح بشدة كلما سمعت الطلقات وتردد صداها عن قرب .. ولكن الطلقات كانت بعيـدة جـدا .. وليس كما تصور " كامل " كان دوى الطلقات تأتى به الريح ، وتزفه فى دوامتها مع أوراق الشجر مع الغبار مع ذرات التبن مع أوراق البوص الجافة ..

لم تكن تدرى لماذا جاء " كامل " فى هذه الليلة .. فى هذه الليلة التى تشعر فيها بالخوف المجسم على " سالم " إن دوى الرصاص فى الليل مألوف فى الريف .. مثله مثل نباح الكلاب .. وعراك الشجر .. وزفيف الريح .. مثله مثل الظلام المطبق الذى يضل فيه البصر .. ظلام بعضه فوق بعض ..

وأخذ قلبها يحدثها بأن تقول له كل شىء .. بعد كل هذه السنين تقول له .. ولكنها لوت عنقها .. وعادت إلى طبيعتها .. ما جدوى هذا الآن .. وبينها وبينه مئات الفراسخ .. ولقد جاء فى مهمة إنسانية .. ولماذا تلقى الغبار على صورة الرجل الذى طواه الموت .. إن الأمر حدث ولم يكن فى مقدور أحد فى الوجود منعه .. وأحست به وحدها من دونه .. وكان الرجل الآخر فى النهر .. لوت عنقها وصمتت ..

وفى لوية الجسر ظهر " سالم " يقود الجاموسـة .. مع بزوغ القمر وكان يسير بخطوات هادئة رغم الطلقات البعيدة .. إنه يطوى الليل فى سكون ورباطة جأش كما اعتاد أن يكون ..

وعلى رأس الدرب رأى أمه .. ورأى رجلا لم يره من قبل ، نظر إليه وحدق فيه ، وكذلك فعل " كامل " .. وأحس كامل برجفة .. إن الملامح واحدة .. وحتى بحة الصوت ..
وقال " سالم " لامه فى بساطة :
ـ زبيدة حلبت الجاموسه .. لما تأخرنا ..
وهمست " وردة " لنفسها :
" عاشق من صغرك زى أبوك "
ثم قالت :
ـ طيب .. عملت الخير .. تعال وسلم على الأستاذ " كامل " صهر " عرفان " بيه ..
أتذكر جياد " عرفان " بيه ..؟ لقد كان الأستاذ فى صغره فارس الخيل .. مثلما كنت فى سنه ..

وظهر البشر على وجه " سالم " ومد يده للضيف وهو يحدق فى وجهه .. واتجهوا الثلاث إلى البيت ..

وبعد أن استراح الضيف على المصطبة .. ودخلت الجاموسة إلى البستان .. وكان " سالم " لايزال يتلفع بالكوفية ، ويلبس فى قدميه نعل الحقل المضفر .. وقد اكتسى وجهه المليح بالهدوء الكامن فى أعماق النفس ..

قال " سالم " وهو يتلفت ـ فى ضوء السراج ـ نحو أمه :
ـ الرصاص .. كان يئز فوقنا ويتساقط كالمطر .. وقد جعلنا البهائم تبرك فى مكانها داخل الحظائر .. وأبقينا البنات والصغار فى حمايتنا .. كان مع " خليفة " رشاش !.. وبعد أن هدأت الحالة .. تحركنا ..
وسألته أمه :
ـ هل سرقوا بهائم ..؟
ـ أبدا .. إنه الثأر .. سمعت أنهم قتلوا واحدا من عائلة عبد الموجود .. وأصبحوا خمسة .. مقابل خمسة ..

وارتجفت الأم عند سماعها لفظة القتل .. ورأت أن تحول مجرى الحديث .. فقالت لولدها .. وهى تشير إلى كامل :
ـ الأستاذ جاء ليذهب إلى عزبة الست خديجة وأنت معه ..
ـ فى الليل ..؟
ـ نعم فى الليل ..
كانت تود أن تختبر شجاعته ..
ونهض " سالم " فى حماسه ..
وسألته أمه :
ـ إلى أين ..؟
ـ سأكلم جلال .. وعنده أحسن شراع ..

وقالت وردة وقد فاض وجهها بالبشر ..
ـ انتظر .. حتى تتعشى أولا .. وتستريح ..
وقدمت وردة الشاى مرة أخرى ..

وسـأل " كامـل " وهو لايفهـم تفاصيـل الحادث الذى رواه " سالم " ..
ـ ما معنى خمسة .. مقابل خمسة ..؟
فردت " وردة " وهى تبتسم :
ـ يعنى تعادلوا فى الثأر ..!!
فقال " كامل " بصوت المتألم :
ـ بعد ثلاثين سنة من حروبنا الدامية مع إسرائيل .. سنسكت صوت المدافع .. ونطلق بدلها حمامة السلام .. وأنتم ما زلتم تتقاتلون على النعجة .. والمعزة .. وحزمة الحطب .. وتقولون خمسة .. مقابل خمسة .. ياللعار ..
فردت " وردة " بعذوبة :
ـ لو عشت هنا لفعلت مثلهم .. إنها جرثومة تجرى فى الدم ..
ـ وكيف نقضى عليها ..
ـ انظر إلى ذلك النور الذى هناك .. إنه بعيد .. ولكنه سيأتى إلى هنا .. وعندما يجىء إلى هنا سيتغير كل شىء ..

ونظر إلى عينيها وفهم .. كانت عيناها لاتزالان تشعان النور والجمال والحنان الذى أسره فى صباه ..

ولم تهدأ الريح .. كانت لا تزال تعصف .. وكانت " وردة " تعد له العشاء وتفكر فى الفراش المريح لنومه ..

==================================
نشرت بمجلة الثقافة فى عددها رقم 54 مارس 1978 وأعيد نشرها فى مجموعة قصص لمحمود البدوى بعنوان " قصص من القرية " ـ مكتبة مصر
==================================

ليست هناك تعليقات: