قطار الســـاعة 8
قصة محمود البدوى
وصلت هدى إلى رصيف المحطة قبل أن يتحرك القطار بأربع دقائق .. وكانت تهرول .. وزوجها يسرع الخطا أمامها ويبحث لها من نوافذ العربات عن مكان فى الدرجة الثانية ..
ودخلا فى جوف عربة من العربات الخلفية .. وهما لايستطيعان معرفة طريقهما .. فقد كانت الدواوين كلها مغلقة ومظلمة لم تكن هناك إضاءة اطلاقا فى الممرات .. ووجد الديوان المخصص للسيدات مشغولا .. وممتلئا إلى السقف بالحقائب والقفف .. وما يجاوزه من الدواوين قد امتلأ بالركاب ..
وأخيرا عثر على سيدة جالسة فى ركن من أحد الدواوين .. وكان هناك رجل يجلس أمامها فى الركن المقابل ..
فقال عصام بسرعة لزوجته ..
ـ اجلسى هنا مع الست ..
فجلست هدى فى الحال .. فقد تقطعت أنفاسها وهى تجرى وحيرها الظلام الذى وجدته فى القطار ..
ومن خلال الضوء المنبعث من خارج القطار .. هيأت لنفسها مكانا بجانب النافذة الغربية مباشرة .. وجعلت حقيبتها على الرف المقابل أمام بصرها مباشرة لأن فيها عدا ما تتحلى به من الجواهر كل ما تملكه من الحلى كعروس ..
وقالت لزوجها :
ـ أنزل أنت .. الجرس ضرب .. من بدرى ..
فسلم عليها وهو يقول ..
ـ عندما تصلى .. ابعثى لى برقية .. وطمنينى على الحالة .. إن شاء الله ستجدينها بخير ..
ـ إن شاء الله انزل .. القطر تحرك ..
ووجدت الدموع تتحير فى عينيها بعد أن تركها زوجها وحمدت الله أن الظلام أخفى عبراتها عن الجالسين معها ..
وكانت هذه الحالة قد لازمتها منذ وصلتها البرقية فى الغروب تنبئها بأن والدتها مريضة وفى حالة خطرة .. فمن هذه الساعة وهى لاتكاد تمسك عبراتها .. وبعد أن نزل زوجها على الرصيف .. وتحرك القطار وخرج من نطاق المحطة .. ظلت تبكى وتطلق العنان لكل عواطفها المحبوسة ولم تكن تدرى .. أتبكى على فراق زوجها .. ولأنها اضطرت لأن تسافر وحدها .. لأول مرة منذ تزوجها .. أم لأنها كانت تتوقع الفاجعة هناك فى البلد .. وتجد الصراخ قد انطلق من جنبات المنـزل ..
وقد منعتها العبرات من أن تنظر إلى من يجلس معها فى الديوان .. وأخيرا مسحت عينيها .. ووجدت نفسها قد استراحت بعد البكاء .. وأحست بالهدوء وبالاستعداد لتلقى النبأ الذى كان منذ لحظات يفزعها ونظرت إلى السيدة التى بجوارها .. فوجدتها تنظر إليها فى حنان وخجلت من أن تكون قد بصرت بها وهى تبكى وأخذت السيدتان تتبادلان الحديث .. فى الوقت الذى ظهر فيه النور فى سقف الديوان .. وظهرت الكراسى الجلدية القديمة القذرة .. والغبار على زجاج النوافذ .. وفى أرض العربة .. وكانت المصابيح الثلاث الصغيرة ترسل نورا خافتا لايستطيع المرء معه أن يقرأ رقم تذكرة السفر ..
ولكن هدى استطاعت فى هذه اللحظة أن تتبين وجه جارتها .. وكانت سيدة فى الأربعين من عمرها .. سمراء .. وترتدى معطفا أسود .. كما استطاعت أن تحدد ملامح الرجل الجالس أمامها من الناحية الأخرى فى الديوان نفسه وكان طويل الوجه ذا شارب قصير وعينين خضراوين .. ويبدو من جلسته أنه متوسط الطول ولم يتعد الخامسة والثلاثين من عمره .. وكان يضع على رجليه بطانية طواها عند صدره ..
وكانت السيجارة لاتفارق فمه .. وعيناه تتحركان فى كل اتجاه فى هذا المكان الضيق وتستقران أخيرا عليها .. وخيل إلى هدى أنهما تنفذان من خلال ثوبها ولذلك ضمت معطفها على عنقها وغطت الجواهر التى فى صدرها وضمت ساقيها وجلست منكمشة ..
وبعد أن ترك القطار مدينة الجيزة .. عاد الظلام مرة أخرى إلى العربة وانطفأت المصابيح التى كانت مضيئة فى السقف .. وخيم ظلام دامس .. وتبادلت السيدتان الابتسام .. وكان الرجل صامتا .. ولا يحول وجهه فى الظلام عنهما ..
وليس من طبيعة المرأة الصمت ولكن وجود الرجل معهما فى مكان واحد وفى هذا الحيز الضيق جعل حديثهما قليلا ومقيدا .. وليس فيه اللذة التى تجدها الأنثى وهى تحادث أختها منطلقة من كل القيود ..
وكان باب الديوان الزجاجى مغلقا على الدوام .. لأن البرد كان شديدا فى الخارج .. والتراب كان ينفذ من خلال الفتحات ويخز الوجوه كالإبر ..
وكانت هدى تنظر دائما إلى ممر العربة من خلال النافذة الزجاجية الصغيرة الملاصقة للباب ..
فتح الكمسارى الباب وفى يده مصباح بالبطارية .. ونظر فى التذاكر ثم خرقها .. وأغلق وراءه الباب .. وذهب .. ورأت هدى وراءه رجلا آخر ثم عسكريا ببدلة صفراء .. وبيده بندقية ..
وبعد أن مر هؤلاء جميعا .. إلى العربة الملاصقة .. ظهر رجل فى الطرقة يلبس جلبابا لم تميز خطوطه ويضع على رأسه لبدة ونظر من خلال الزجاج إلى جوف الديوان ثم تابع طريقه ..
وكانت السيدة الجالسة بجوارها قد أغلقت عينيها ونامت .. وبدا لهدى أن السيدة صائمة مثلها فلما امتلأت معدتها بالطعام أحست بالحاجة إلى النوم .. كمعظم الصائمين .. وكانت هدى تود أن تنام مثلها .. ولكنها كانت قلقة والخواطر السوداء تعصف برأسها .. وأسفت لأنها طاوعت زوجها وحملت نفسها كل حليها .. وجواهرها وهى مسافرة وحدها ..
وكانت نظرتها دائما تحط على الرجل .. الجالس فى مكانه دون حركة والذى كان لايحول عينيه عنها إلا قليلا .. وكانت حركة القطار الرتيبة ودوى العجلات تحتها .. والظلام المخيم .. تساعدها على الاسترخاء .. وترك كل الخواطر التى فى رأسها .. ولكنها كانت تشد هذه الخواطر إلى بؤرة شعورها وتدور بها كالنحلة ..
وكان عدم تعودها على السفر وحدها .. جعلها أكثر قلقا .. ولم تكن تدرى .. لماذا نظرها دواما يتركز على الممر ..
ورأت الرجل اللابس الجلباب واللبدة يمر .. مرة أخرى بعد أن نظر من خلال الزجاج إلى الداخل وتبعه بعد قليل العسكرى ببندقيته ثم الكمسارى دون أن يدخل عليهم هذه المرة .. ثم شخص أو شخصان .. كانا يمرقان فى الظلام كالجرذان المذعورة قبل أن تتوضح هدى وجهيهما ..
وصحت السيدة التى بجوارها .. والقطار يهدىء ويدخل المحطة .. وقالت ..
ـ الواسطى ..؟
ـ أظن ..
ـ الظلام .. يمنعنا من الرؤية ..
ـ لماذا يتركون العربات هكذا .. فى مثل هذه الكآبة ..؟
ـ أنا لا أحب أن أسافر فى الليل .. فى قطارات الصعيد .. ولكننى اضطررت هذه المرة بالرغم عنى إلى السفر ليلا ..
ـ وأنا مثلك يا سيدتى .. من السيدة التى تسافر فى الليل وحدها ..؟ إلا أن تكون مضطرة ..
وارتجفت هدى .. ونظرت إلى الرجل وكان صامتا .. لايحب أن يخوض معهما فى الحديث .. وزادها هذا توجسا منه ..
وعاد الصمت يخيم مرة أخرى ..
وانطلق القطار بأقصى سرعته يطوى المدن والقرى طيا ويشق قلب الليل ثم أخذ يخفف من سرعته وهنا أخذت السيدة الجالسة بجوار هدى تستعد للنزول فسألتها هدى وقد شعرت بالخطر يقترب منها ..
ـ حضرتك .. نازله فى بنى سويف ..؟
ـ نعم ..
ـ مع السلامة ..
ـ الله يسلمك .. وأنت ..
ـ رايحه ملوى ..
ـ كلها ساعتين ..
ـ أجل ..
واغتصبت هدى ابتسامة شاحبة .. أخفت بها انفعالها وارتجاف قلبها وبعد أن نزلت السيدة .. وتحرك القطار من المحطة .. كانت هدى تود أن تبحث عن مكان فى ديوان السيدات ولكنها وجدت نفسها لاتستطيع أن تتحرك وظلت فى مكانها .. تنظر إلى الرجل الجالس معها فى الظلام والرجل ينظر إليها فى صمت ..
ورأت أخيرا .. ألا تظهر أمامه بمظهر الضعيفة أو الخائفة منه لأن ذلك سيشجعه على المغامرة والطمع فيها .. ولكن غريزتها كانت تجعلها تخاف .. بعد أن أصبحت معه وحيدة فى مكان صغير ضيق والباب مغلق عليهما .. والنوافذ الخشبية مسدلة .. والإضاءة لا وجود لها فى الديوان أو فى الممر .. وانقطعت الأرجل التى كانت تعبر فى الظلام .. كالخفافيش .. وبدا لها أن من بقى من الركاب فى القطار قد نام .. لأنها ظلت ترقب كل حركة فى الممر وتتسمع كل حس .. ولكنها لم تر شخصا يمر .. أو ينفذ إلى العربة الملاصقة ..
وظهر العسكرى .. ببندقيته وكان المتوقع أن يجعلها هذا تطمئن وتشعر بالأمان ولكن شكله أفزعها .. كان يخيفها أكثر من الرجل الجالس معها .. لأنه بدا لها جلفا .. وعلى وجهه الغباء المجسم ..
***
ونظرت للمرة الخمسين إلى الرجل الجالس أمامها .. وكان يدخن وعيناه المتقدتان تنفذان من خلال ثوبها .. وكان صاحيا طول الوقت وغاظها أنه كان هادئا ممتلكا زمام أعصابه .. وقد جعلها هذا الهدوء العجيب ترتجف أكثر وأكثر .. وحدق فيها نصف دقيقة كاملة .. ثم رأته يدفع بيده البطانية .. عن صدره .. وتصورت أنه سينقض عليها .. ويطوقها وربما مزق ملابسها .. وكانت فى هذه اللحظة تود أن تصرخ .. ولكنها وجدت صوتها لايطاوعها وأغلقت عينيها تنتظر الشىء المقدر .. ولما فتحتهما وجدت الرجل لايزال فى مكانه ..
فنظرت إليه سادرة وفمها مفتوح .. ثم أغلقت عينيها مرة أخرى وكانت تود أن تبكى ..
وراحت تسترجع فى ذاكرتها حوادث القطارات .. فلم تجد .. من بينها حادثة اغتصاب واحدة .. ولكنها تذكرت حوادث قرأتها فى الصحف عن أجسام تمزق بالسكاكين ثم تلقى تحت العجلات خلسة فى ظلام الليل ليتوهم الناس أن الذى مزقها هو القطار .. وعن نساء تخنق فى الظلام .. ثم توضع فى جوال وتلقى فى داخل القطار كما يلقى العفش .. وفى خلال دوامة أفكارها .. تذكرت حادثة شاب هجم على سيدة ليلا فى قطار المترو فارتجفت وهى تتذكر هذه الحادثة وعادت تنظر إلى الرجل .. وتفكر فى الطريقة التى ستعالج بها الموقف هل تسمح له بأن يقبلها .. ثم تخنقه فى أثناء هذه اللحظة وهل تستطيع خنقه حقا ..؟ انها ساذجة .. الأحسن أن تسمح له بالقبلة وبأن يعريها من ثوبها وفى لحظة انشغاله بهذا ستنقض عليه كالنمرة .. بأسنانها وأظافرها وتمزق جسمه ..
لا .. إنه أقوى منها وسيتغلب عليها أخيرا ..
والأحسن من هذا كله أن تصرخ .. ولا بد أن يسمعها أحد الركاب ويأتى لنجدتها ..
وجف ريقها فى خلال هذه الخواطر .. وكف قلبها عن الخفقان ثم عاد يخفق ..
ومن العجب أن خواطرها تركزت كلها فى الخوف على عفافها ونفسها ولم ينصرف قط إلى الجواهر التى تحملها .. مع أنها كانت فى أول الأمر تخشى على الجواهر أن تسرق ..
وكان الرجل الجالس معها فى مكانه لم يغيره .. كان يدخن فى هدوء ..
انه يعد نفسه للحظة الحاسمة ..
أما هى فستقاوم .. وتقاوم .. إلى آخر نفس ..
وقبل أن يدخل القطار فى محطة المنيا .. ظهر الرجل اللابس الجلباب واللبدة مرة أخرى فى الطرقة .. ووقف بجوار باب الديوان .. ونظر من النافذة إلى الداخل .. ثم فتح باب الديوان .. وتناول حقيبة من فوق الرف .. وأنزلها ووضعها فى الممر .. وظل فى مكانه ينظر من نافذة القطار الزجاجية إلى حدود المدينة ..
ولما دخل القطار المحطة .. وتوقف .. رأته يحادث شابين آخرين كانا ينتظران على الرصيف ويلبسان الملابس البلدية .. وكان يقف معهما رجل يلبس بدلة أنيقة ..
ودخل الشابان إلى جوف العربة ..
ورأت هدى الشابين ينحنيان على الرجل الجالس معها فى العربة .. ويحملانه إلى الخارج ..
وسقطت البطانية من فوق رجليه .. فى هذه اللحظة نظرت هدى إلى ساقيه المتدليتين دون حركة كشىء ميت .. واحمر وجهها ..
وعندما خرجوا بالرجل من القطار .. فهمت الشىء الذى لم تكن تقدره أو تتوقعه أبدا .. وآلمها أنها لم تعرف حالته طول الوقت .. ولم تعاون عجزه عن الحركة بأية مساعدة قليلة منها ..
ومسحت عبراتها مرة أخرى ..
==================================
نشرت بمجلة الجيل المصرية فى 451959 وأعيد نشرها بمجموعة زوجة الصياد 1961لمحمود البدوى
الثلاثاء، ٢ يناير ٢٠٠٧
ص 13 قطار الساعة 8 ـ قصة قصيرة ل محمود البدوى
ص 12 العذراء والوحش ـ قصة قصيرة ل محمود البدوى
العذراء والوحش
قصة محمود البدوى
كان الخواجة لمبو يملك فندقا جميلا على ترعة الابراهيمية قريبا من شريط السكة الحديد ..
وكان للفندق حديقة مزهرة .. يجلس فى ظلها النزلاء بالنهار .. وفى الليل كانت تتحول إلى مرقص ..
وكان لمبو يجلب لهذا المرقص أشهر الفرق الراقصة من القاهرة والإسكندرية وفيها أجمل الراقصات فى دنيا الفن ..
وكان المكان يضيق على سعته .. بالعمد والأعيان والوجهاء من منطقة الصعيد كلها من حدود الروضة حتى سوهاج .. وكانت الأكف تضيق من التصفيق .. وأوراق البنكنوت من الفئات الكبيرة .. فئات العشرة جنيهات والخمسين جنيها تحرق تحت أنفاس الغانيات ..
كان كل رجل ينافس غريمه فى ارضاء الغانية الأولى فى الفرقة .. البريمادونا .. ليفوز بها فى آخر الليل ..
وكانت زجاجات الخمر .. تفيض من الكؤوس المترعة على الموائد والمفارش .. وعلى سجاد الأرض مختلطة بأعقاب السجائر ..
وكان الدخان الذى يملأ سماء المكان يزكم الأنوف ويدمع الأعين ويهيج الصدور .. ويتحول إلى كثف من الضباب .. ولكن الجالسين فى المكان كان احساسهم متبلدا من فرط الصخب والضجيج .. فلا يحسون بهذا الاختفاق .. وما هو شر منه .. لأن كل شىء ينسى فى غمار الأجسام العارية التى كانت تتلوى .. وتتثنى على المسرح ..
ويحدث فى كثير من الحالات .. أن تقف راقصة على حافة كرسى من الخيزران .. ترقص رقصا مثيرا .. وفى كل حركة بالبطن .. ولفتة بالعين .. وغمزة بالحاجب .. يتطاير طربوش .. أو تسقط لبدة على خشبة المسرح .. أو تتكور عمامة ..
ثم يبدأ التنافس المروع على حرق أوراق البنكنوت ..
ويخيل اليك وأنت تشاهد أوراق البنكنوت بالخمسين جنيها .. تمتد بها الأيدى لتشعل سيجـارة لراقصة .. لاتساوى مليما واحدا فى الآدميين .. انك تعيش فى مستشفى المجـاذيب .. ولكن هـؤلاء المجاذيب .. كانوا هم فى الواقع الحكام الحقيقيين للإقليم ..
وكانت محادثة تليفونية بسيطة من واحد منهم .. تطير المدير .. ونظرة غضب تطيح بالحكمدار ..
وكان الواحـد منهم يأتى إلى " البندر " فى موكب مسلح من العبيد ..
فإذا رأى الراقصـة التى يشتهيها .. تجالس آخر .. أو تساقيه الخمر .. يتطاير الشرر من عينيه .. ويبدأ أمامها فى عرض جبروته وثروته .. بصورة مثيرة تثير الفزع حقا ..
يأمر بصوت جهورى .. أن تفتح جميع زجاجات الويسكى .. وتوزع على حسابه على جميع الحاضرين .. ليموت غريمه من الغم ..
أو يحـرق ثلاث أوراق من فئـة الخمسين جنيها لثلاث راقصات معا ..
وكانت إذا اشتدت المنافسة وتحول الكلام إلى نار .. يتدخل الخواجة لمبو .. بلباقته .. وابتسامته .. ويوزع الغانيات .. على المتنافسين ..
وكان الفندق يتحول فى آخر الليل .. إلى وكر رهيب للملذات ..
وكان المال الذى يتدفق على لمبو .. يجعله قادرا على أن يغمض كل العيون ويخرس كل الألسنة ..
***
ثم هبت الريح العاتية .. وطار ورق الحديقة .. وعرى الشجر .. وقوض المرقص وانقطع العمد والأعيان .. وتحول الذهب إلى تراب .. وأصبح الخواجة لمبو لايستطيع أن يدفع أجر ثلاثة من الفراشين هم كل من بقى من العمال فى الفندق ..
وفى خلال تلك الفترة العصيبة ، ماتت زوجته .. وتركت له بنتا وحيدة فى الخامسة عشرة من عمرها .. وكانت تتلقى العلم فى مدرسة أجنبية فى ملوى .. فلما انتهت من دراستها الثانوية .. أشارت عليها خالتها ماريكا بأن تأخذها معها إلى أثينا لتدرس الطب ..
ولم يكن فى أثينا طب مشهور حتى تذهب إليه .. أورانيا ولكن الرجل وجد نفسه وجها لوجه .. أمام مشكلة لم يكن مستعدا ولا قادرا على مواجهتها وحده .. فترك الفتاة مع خالتها وسافرت بها ..
***
ولما عادت أورانيا بعد ثلاث سنوات .. لم تكن قد حصلت على إجازة تؤهلها لمزاولة مهنة الطب .. فى مصر .. ولكنها حصلت على شىء آخر .. حصلت على جسم .. يفوق كل الأجسام .. التى كانت تتثنى على مسرح الفندق ..
وعندما دخلت الفندق .. لم يكن به أكثر من خمسة من النزلاء .. منهم موظف واحد يقيم بالشهر .. وبائع متجول يغدو .. ويروح .. ورجل عجوز من سكان القاهرة .. كان يجىء فى فترة الإيجارات ليجمع إيجار الأرض .. ويبيع ما استطـاع من أملاكه .. فقد مرض مرضا شديدا .. توقع بعده الموت فى كل لحظة .. وكان يجب أن يتخلص مما عنده قبل أن ترثه وزارة الأوقاف ، فلم يكن له وريث غيرها ..
وكانت مدخنة الفندق تدخن فى الفترة التى يقضيها السيد عصام فى الفندق .. فهو يصرف على طعامه وشرابه عن سعة وفى اسراف ..
وكان عصام قد اعتاد أن يشرب فى مجلس من الصحاب ليتحدث ويضحك .. كما يفعل فى الباريزيانا ..
ولكن كيف يجد الصحاب فى الصعيد .. وهو غريب عن المدينة .. فكان يجالسه لمبو فى وقت فراغه وتجالسه أورانيا .. كذلك ..
وكان هناك شخص فى المدينة يتردد على الفندق فى ساعة معينة كل ليلة ..
كان زكى نديم الأثرياء والوجهاء فى حانة الفندق .. فلما ذهبوا ولم يعد يراهم أصبح يتجول فى المدينة كل ليلة ويدخل كل حانة كانوا يترددون عليها ، وفى ساعات الليل التى ألف أن يراهم فيها ..
وكان يعرف أنهم ماتوا .. وأنهم ذهبوا إلى غير رجعة .. ولكنه .. كان يكرر الجولة .. فى كل ليلة .. كأنه يتوقع عودتهم فجأة .. أو كأنه يعجب للقدر .. الذى انتزع منـه رزقه مرة واحـدة .. فى قسوة شديدة ..
أو كأنه .. يقول للجالسين وهو داخل عليهم .. ألا تعرفوننى ..؟ أنا نذير لكل السكارى ..
***
وذات ليلة لمح زكى أفندى .. السيد عصام جالسا إلى مائدة وأمامه الكأس .. فجلس بجانبه ومن وقتها أصبح جليسه .. ولكنه كان يجلس منكمشا طاويا " قفطانه " على ركبتيه .. وضاما جبته على صدره .. ومرسلا طربوشه إلى أسفل ..
وكان من نزلاء الفندق نزيل آخر رجل فى الستين من عمره .. وكان من أصل شركسى وموظفا فى أحد التفاتيش ، فلما استولى الاصلاح الزراعى على التفتيش بقى فى مكانه .. وأقام بصفة دائمة فى الفندق .. وكان الرجل .. مغرما بالكلاب .. يعيش معه كلب منذ سنوات طويلة .. وكان يلازمه ملازمة الظل ..
ولم يكن حسين .. يؤدى أى شىء خلاف رياضته للكلب .. كان ينطلق به فى الصباح بين المزارع .. حتى يخرج من البلدة ..
وفى العصر يجول به نفس الجولة .. وكان الكلب .. فى الواقع مدربا .. كأحسن كلاب الحراسة .. ويربض فى الحديقة .. أو يدخل طرقات الفندق .. وينام فى أى مكان يختاره .. أصبح مألوفا لدى الجميع وكأنه نزيل من النزلاء ..
وكان فى الواقع يحرس الفندق كله .. ومع أنه كان شرسا إلى حد التوحش إذا أحس بحركة فى المزارع القريبة أو سمع دوى الرصاص .. ولكنه كان فى داخل الفندق لاينبح قط .. وكان يوجه إلى الداخل الغريب نظرة صارمة .. ثم يقعد .. واضعا رأسه بين رجليه ..
وفى الفترة التى كانت تقوم فيها ابنة صاحب الفندق بالعمل فى المطبخ كانت تقدم له قطع اللحم .. والثريد .. وإذا عاد من جولة فى الخارج وهو يلهث من الحرارة قدمت له مايرطب حرارة جوفه .. وأصبحت بينهما ألفة .. زائدة ..وكان الكلب إذا شاهدها من بعيد يبصبص بذنبه .. ثم يقف ينتظرها وكأنه يرحب بها .. فإذا جاءت إليه انطلق بجانبها .. وهو شاعر بالمرح والنشاط ..
وكان الفندق فى العام المنصرم .. قد بدأ فى الانتعاش .. وفى خلال موسم القطن كان يأتى إليه بعض النزلاء .. ثم يرحلون ..
وكان لمبو .. وقد ابيض شعره .. يجلس إلى الصالة المغطاة بإعلانات الخمور وحيدا .. وتكون ابنته قد فرغت من عملها .. وذهبت لتنام ..
يجلس فى الركن .. يسترخى ويتـذكر .. يتذكر .. الرقص والأغانى .. والصاجات والشمبانيا .. وأوراق البنكنوت المحترقة .. والذهب الذى كان يتدفق عليه ويشعر بهزة ويتساءل لماذا ذهب هذا كله مرة واحدة .. لماذا ذهب ..؟ الأنه كان يسير فى طريق معوج .. ويجمع المال بكل الطرق غير الشريفة ..؟ الأن الفندق كان ماخورا ..؟ ما أكثر المواخير الباقية ..
ولماذا هبت عليه العاصفة .. وحده .. لماذا ..؟ وكان ينظر إلى ابنته .. وقد غدت أنثى ويتصور أنها واقفة فى الصالة الخلفية تتثنى .. وقد خلعت ملابسها قطعة قطعة .. كما كانت تفعل نرجس وعزيزة .. وباتريشا .. وأولجا .. من سنوات .. وعرق جسمه وأحس بالأرض تدور به .. ونهض بعد أن أفاق ليشغل نفسه بأى عمل ..
***
وحدث ذات مساء .. وكان أحد الأعيان قد شاهد أورانيا .. جالسة فى الحديقة ورأى فتنتها وجمالها ..
أن قال للخواجه :
ـ إيه .. يا خواجه لمبو .. الحاجات الحلوة اللى نازلة عندك دى بتفكرنا .. بأيام زمان ..
فأحمر وجه لمبو ولم ينبس ..
وهمس الوجيه فى أذن لمبو .. وهو صاعد إلى غرفته ..
ـ ابعتها مع عبده .. ومعاه زجاجة ويسكى .. واللى انت عاوزه خده ..
فأحمر وجه لمبو وسقط رأسه على فكه ..
ـ إيه ..؟
ـ دى .. بنتى .. يا توفيق بيه ..
ـ بنتك .. عندك بنت حلوة كده ..؟ وكانت فين ..؟
ـ فى أثينا ..
ـ جوزها .. حالا ..
ـ هيه .. عاوز يشتغل .. مش عاوز يجوز ..
ـ جوزها .. أولا .. دى خسارة ..
وصعد توفيق إلى غرفته آسفا ..
وكان الخواجه لمبو .. فى الواقع .. يريد أن يزوج أورانيا .. ويستريح ـ كأب ـ من مشكلتها ..
***
ومادام يعيش فى الفندق فإنه لم يكن فى حاجة إلى رعاية من المرأة .. لأن الخدم يقومون بطعامه وكل مايحتاجه ..
وفى خـلال تفكيره .. فى كوستا .. ابن مخالى .. كزوج مثالى لابنته .. أورانيا هبط نزيل جديد على الفندق ..
وكان سالم شابا فى الرابعة والثلاثين من عمره .. وكان يعمل فى الصباح فقط .. ويقضى بقية النهار والليل فى الفندق ..
وفى خلال الأسبوع الأول من نزوله المدينة .. لم يشاهد فى صحبة أحد .. وكان فى الفنـدق يجلس وحيدا فى المدخل .. وبيده مجلة مصورة .. قد تلوثت وتمزقت من الجوانب من عرق يديه ..
ولم يكن قصير القامة .. لكنه كان ينحنى بجذعه ويميل إلى الجانب الأيمن فى مشيته فيخيل لمن يراه على هذه الحالة أنه قصير وأنه أحدب ..
وكان أول من يعود من النزلاء إلى الفندق فى ساعة الغداء .. ويرى أورانيا فى المطبخ .. أو جالسه بجانب والدها .. على " الخزانة " .. ولكنه لم يكن يوجه إليها أى كلام .. أو يبادلها أى تحية .. وقد حيته مرة .. بلفظة .. بنجور .. فلم يرد عليها .. وخرس لسانه فى حلقه .. ومن وقتها لم تكلمه أبدا ..
وفى الليل .. كان يجلس منزويا فى الحديقة ويرى أورانيا وهى جالسة تتعشى وتشرب مع السيد عصام .. وقد وضعت ساقا على ساق .. حتى كشفت عن فخذيها فكان يحس بمثل السعار .. ويعود منكمشا على نفسه ..
وكان يسهر وهو جالس فى الحديقة وحده .. حتى لايبقى أحد من النزلاء ..
فإذا وجده لمبو .. جلس بجواره قليلا .. يحادثه ولكن سالما فى الواقع كان لايستمع إلى ثرثرة لمبو ..
كان يرى أورانيا .. من بعيد .. وهى رائحة غادية فى طرقات الفندق .. ثم تغيب عن بصره ..
***
وذات ليلة سمع صوتها وهو متمدد على السرير .. تحادث شعبان الفراش .. فتلفت وتسمع كالثعلب ..
ولما خرج شعبان سمعها تغنى قريبا منه .. فأيقن أنها بجواره .. فى الغرفة الملاصقة له تماما .. وأحس برعشه .. ونهض .. ووضع أذنه على الحائط .. ودار برأسه فى الغرفة .. يتفحصها .. فرأى لأول مرة أن الدولاب الذى فى غرفته وراء باب يفتح على الغرفة المجاورة .. ووضع الدولاب وسمر الباب ليمنع الاتصال ..
ورأى شراعة زجاجية فوق الباب مغطاة بالقماش فدار فى الغرفة يفحص كل شىء .. بعين صقر .. وقلبه يرتجف .. ثم سحب كرسيا .. وطلع من فوق الدولاب يتطلع فى الظلام .. من الشراعة .. واستطاع بعد مشقة .. وبعد أن فتح ثغرة بأظافرة وأسنانه فى القماش أن يرى أورانيا .. فى الغرفة المجاورة ذاهبة رائحة فى الغرفة بقميص النوم وهى تنحنى ..
ثم تنهض كأنها تبحـث عن شىء سقط منها .. قريبا من مائدة الزينة ..
***
وفى الليلة التالية .. حبس سالم نفسه فى غرفته من الساعة الثامنة مساء .. وكان الصيف .. فى حميمه والحر شديدا .. فحبس نفسه داخل الجدران .. فى الظلام وأغلق النافذة الخشبية حتى لايتسرب أى ضوء من الخارج .. وليكون الظلام على أشده .. وصعد إلى الشراعة ليوسع الثغرة .. ويرى أكثر .. وأكثر .. ولمس .. وهو يفعل هذا مسمارا .. ثم أدرك أن الشراعة .. تتحرك .. وأنها مسمرة من ناحيته فقط ..
***
وفى اليوم التالى جاء بكماشه ونزع المسامير فى هدأة الليل .. بعد أن أحكم اغلاق باب الغرفة .. ورد النافذة ..
***
وفى العصر خرجت .. أورانيا من الفندق .. متعطرة وهى فى أجمل ثيابها .. كان اليوم يوم أحد .. ورآها سالم وهى تمشى مع سيدتين على الترعة ..
وجلس ساعة فى حديقة الفندق ثم خرج يتمشى .. وعاد فى هدأة الليل إلى غرفته ..
وأغلق الباب وراءه بالمفتاح .. ورد النافذة الوحيدة .. وجلس يخلع ملابسه فى الظلام .. وصعد إلى الدولاب .. وحرك الشراعة فانفرجت .. فأعادها إلى مكانها .. بهدوء ..
وجلس على سريره .. وقد أحس برغبة شديدة إلى التدخين .. فدخن ..
وبعد أن هدأت الرجل تماما .. وانقطع كل حس .. وأطفئت جميع الأنوار فى الحديقة .. وبقيت فقط الأنوار الضعيفة التى فى طرقات الفندق صعد مرة أخرى .. إلى الدولاب بعد أن تلثم .. حتى لاتعرفه أورانيا إذا كانت متيقظة .. وأزاح الشراعة فانفرجت ونظر إلى الفراش فرأى أورانيا .. نائمة ثانية فخذها .. وقد جعلها الحر الشديد لاتطيق حتى .. قميصها ..
وتصور هذا الجمال الذى سيكون فى أحضانه بعد لحظة .. وأغلق عينيه وأخذ يتدلى من الناحية الأخرى بحذر شديد .. وأحس فجأة بكف وحش تضربه بمخالبها فى صدره فصرخ وسقط على الأرض ..
وعندما دخل لمبو الحجرة على صياح أورانيا .. كان سالم .. قد استفاق من هول الصدمة .. وأدرك ما حدث .. ولكنه لم يستطع أن يتحرك من مكانه .. لأن الكلب كان رابضا أمامه .. وقد تهيأ للوثوب عليه إذا أبدى أية حركة ..
وعندما مر زكى .. على الفندق فى الليلة التالية وجد مائدة عصام خالية ..
فقال باسما :
ـ ذهب أيضا ..
واسـتدار ليخرج فرأى الكلب فى جانب من الحديقة رابضا وحده .. وكان حزينا لأن أورانيا .. كافأته على عمله النبيل بطرده .. من غرفتها ..
=================================
نشرت القصة بمجلة " الجيل " فى 5/1/1959 وأعيد نشرها فى مجموعة قصص لمحمود البدوى بعنوان " عذراء ووحش " وفى مجموعة " قصص من القرية " ـ مكتبة مصر
=================================
ص 11 الأمواج ـ قصة قصيرة ل محمود البدوى
قصة من نهر النيل
الأمـــواج
بقلم محمود البدوى
كانت المراكب راسية فى ظل الغسق محملة بالغلال والتبن والأكياس .. والبلاليص الفارغة .. فى انتظار فتح الهويس فى الصباح ..
كانت قد القت مرساها فى هذه " الموردة " لتستريح ليلة من عناء السفر .. طوت أشرعتها وخلعت مجاديفها وربطت زوارقهـا عند الدفة وسحبت حبالها وطوتها فى البكر ..
وانطلق ملاحوها إلى القرية يتزودون بالطعام ويشربون الشاى فى القهوة ويشترون السجاير والتمباك والسكر .. وبقى فى كل سفينة شخص لحراستها .. واجتمع هؤلاء على سطح المراكب يشربون الشاى ويتسامرون ..
وكانت الظلمة طاغية .. والفيضان عاليا .. والتيار شديدا .. ولكن الميناء الصغيرة ازدحمت بالمراكب حتى تغطت صفحة الماء .. وتلاقت المراكب الذاهبة إلى القاهرة والقادمة منها ..
وكان من عادة الملاحين فى هذه الميناء أن يستريحوا ليلة بعد عبور الهويس " ويحلو " قبل الفجر .. وينطلقوا إلى المنيا فى نفس واحد !!
***
وكانت معدية " البر " ترسو خلف هذه المراكب تحت ثلاث أشجار من السنط يتجمع تحتها الفلاحون مستظلين من وهج الشمس ولفح الرمضاء ..
ومن منتصف أغسطس تصبح الشجرات الثلاث تحت رحمة الأقدار .. ولا يبقى منها إلا رؤوسها تصارع الموج .. ويرسب كل ما حولها فى القاع ..
ولكن " صابر " رغم أهوال النيل كان يعدى وينقل العابرين من الغرب إلى الشرق ..
وكان يقطع هذا البر بمركبه ويعيش فى الماء منذ وعى للدنيا .. ولكن الرجل الضاحك كصفحة الماء .. المشرق الوجه أبدا .. حدث ما عكر صفو حياته منذ سنين فانقلب وجهه عابسا أغبر .. كأن شيئا يرمضه على الدوام .. وغدا عصبيا .. كثير الصراخ يهدىء أعصابه بالقهوة والدخان ويكثر منهما .. وإذا افتقدهما غدا مجنونا أو شبه مجنون .. ولهذا كانا فى جيبه أبدا ..
وكان قد جلس مع نفر من الملاحين العابرين على ظهر مركب يسألهم عن الأحوال فى ساحل روض الفرج .. وترعة المحمودية .. وعن بلدياته الريس جلال .. والريس تمام .. وعن مقطورات الصنادل .. وفى خلال حديثه ينظر إلى البر .. ويشرب القهوة ..
وكانت الأشجار الغارقة فى الماء الأسود والأعشاب البرية المختلطة بالوحل .. تعطى رائحة الطحلب المتعفن .. وكان كل ما على الأرض جامدا ساكنا كأنه الرمس .. أما النهر فكان هو الشىء الوحيد المتحرك .. وكل ما فيه يتدفق بالحياة .. وكانت المراكب الصغيرة الفارغة تروح وتجىء مع الموج مقتربة من الساحل ومبتعدة عنه .. وهى تشد حبالها .
أما المراكب الكبيرة فكانت ثابتــة كالطود مثقلـة بحمولتها .
وكان هناك على الساحل الحجرى فى الشمال نفر من العمال يعملون فى الليل ويحملون سفينة ضخمة بالأذرة .. وأرجلهم تجرى على السقالات .. كالمردة .. رغم الظلام .
وكانت القرية على بعد ميل واحد من " الموردة " وتبدو فوانيسها الكابية ونخيلها السامق .. كما تبدو هناك قهوة ساهرة فى أول الدرب .. وبها راديو يرسل الأنغام .
وخلف المراكب الراسية .. يظهر الساحل الرملى .. وكان بعض الصيادين يقتربون منه وهم يطوون الشباك والتيار يغالبهم .. وبلغوا بالزورق الصغير الشاطىء بعد صراع جبار مع الموج والتيار ..
وكان صابر يراقبهم وبمجرد أن وضعوا أرجلهم على البر قفز إليهم .. وأخذ من أحدهم شيئا طواه فى جيبه ..
وكان العمال قد فرغوا من شحن السفينة وخفت الحركة وانقطعت الأصوات .. وتمدد الملاحون على ظهر السفن .. وذهب كل انسان لينام ..
***
وبقى صابر ساهرا يشرب القهوة .. ويتحدث مع نفر من " المراكبية " عن حياة " البحر " وظهر على البر شبح يقترب من حبال المراكب ظهرت بجواره سيدة ..
وقال الرجل الغريب لصابر :
ـ عدينا .. يا عم ..
ـ أنت شايف الريح يا بنى .. مفيش همسه .. والبحر شديد .. والملاح الذى يشتغل معى روح .. ولا أحب أن أعدى فى الليل .. نغرق .. ولا نطول برا ..
ـ معايا ست .. وعيب لما تنام تحت الريح .. خذ ما تريد .
ونظر صابر إلى السيدة وظهر بياض وجهها فى الظلام .. وكانت سافرة وفى عينيها جمال ..
وقال :
ـ ليست المسألة مسألة نقود .. وانما مسألة أرواح .. والبحر لايرحم .. لايرحم أحدا ومع هذا سأذهب إلى هؤلاء المراكبيـة .. عسى أن أحـدا فيهم من يرافقنى فى هـذه الرحلة .
وذهب صابر إلى المراكب وأخذ يوقظ الملاحين .. ويرجوهم أن يرافقوه .. وسيجزل لهم العطاء .. ولكنهم رفضوا جميعا وعادوا إلى النوم .. وأخيرا قبل اثنان منهم .. ومشى أمامهما صابر إلى المركبة .
***
ومدوا السقالة للسيدة والرجل ثم انطلقوا بالمعدية .. وكان الموج عاليا .. والنيل واسعا .. والريح راكدة .. وكانوا ذاهبين مع التيار .. فاستعملوا المجاديف ليعبروا النيل إلى الشاطىء الثانى .. ولم ينشروا القلع .. وكان الملاحان اللذان استعان بهما صابر هما اللذان يجدفان .. وصابر ممسكا بالدفة ..
وكان قد فرش للسيدة والرجل على مقعد فى المؤخرة .
وبعد أن جلست السيدة رأت تحت رجليها شيئا مكورا فى بطن السفينة ولما رأت وجهه عرفت أنه آدمى .
ولاحظ صابر نظرة السيدة إلى الغلام .. فصاح فيه ..
ـ قم .. ياواد .. قم ..
فاستنكرت السيدة ..
ـ دعه .. خليه نايم .. انه طفل .. ولا يضايقنا فى شىء ..
ـ إنى أصحيه .. ليعمل قهوة .. قم يا واد نمت كفاية .. اعمل قهوة ..
ودعك الغلام عينيه .. وغاب فى جوف السفينة ..
وكانت الأمواج عالية .. وخيل إلى عبد الرازق وزوجته أن السفينة تصعد بهما جبالا من الرمال وتهبط مثلها ..
وكانت سميرة خائفة ولا تحب أن تركب " البحر " فى الليل فإنه شىء مهول ولكنها لم تستطع أن ترفض رغبة زوجها فى أن يزور أهله .. ويركب هذا الطريق ..
وكان الموج يلطم المركب بعنف ويرقص بها .. والماء أسود كالليل ..
وعندما أصبحوا فى وسط النهر .. غابوا فى ليل من بعده ليل .. ودخلوا فى ظلمات بعضها فوق بعض ظلمات ..
وكان صابر قد احتضن الدفة الغارقة فى الماء .. وهو يدخن ويستعين على أعصابه بالقهوة ..
أما الملاحان الآخران فكانا يجدفان بعنف وبدا أن العبء كله ملقى عليهما وأنهما يصارعان موجا جبارا عاتيا ..
وكانت عيونهما على السيدة الجميلة السافرة .. وكأنهما يستمدان منها القوة على هذا الصراع .. وربط بينهما الليل والسكون برباط صامت ولكنه قوى .. وأدركا أنهما يجدفان لها وحدها .. ويصارعان الموت من أجلها .. لتعيش هى .. ويعيش الباقى على هامش حياتها .. أدركا أنهما أحباها من أول نظرة .. كما يحبان القمر .. والبحر والنجوم .. دون غاية أو نفـع ملمـوس .. وأنه لولاهـا ما جدفا .. ولا أبحرا فى الليل ..
وتحدث الرجال فى كل الشئون بطلاقة وحرية .. حرية من يعيش دوما تحت السماء وفوق الماء .. ولاحظ عبد الرازق أنهم يلاحظون جيدا أن هناك سيدة معهم فى المركب فلم تخرج من أفواههم كلمة نابية .. تجرح شعور الأنثى .. كما أنهم كانوا يحرصون على راحتها وانزال السكينة على قلبها فابعدوا المركب عن الدوامات ومواطن الخطر ..
ولم تستطع سميرة أن تكشف أمامهم أكثر من وجهها ..
ظلت طول الرحلة جالسة وإن هيأوا لها مكانا للنوم .. وكانت تود أن تضطجع .. وتمد ساقيها .. وتطلق جسمها على سجيته يأخذ راحته .. وأن تملأ رئتيها وهى نائمة مسترخية من هواء النهر .. ولكنها لم تستطع أن تنام وظلت جالسة صامتة ..
وعندما انكشفت ساقاها عرضا أمام الرجال غطتها سريعا وخدها فى لون التفاح ..
وظلت صامتة تستمع إلى الحديث الذى يدور بين الرجال دون أن تشترك فيه ..
***
ورأى صابر عن بعد شيئا تتقاذفه الأمواج .. فركز بصره عليه وقد انقلبت سحنته لمرآه .. ثم حرك الدفة نحوه ..
وسأله أحد الملاحين .. عندما رآه يرجع بهم ..
ـ إلى أين ..؟
ـ نرى ذلك الشىء الغارق هناك ..
ـ انها بهيمة ..
ومضوا بالمركب حتى لامسوا الجثة وعرفوا أنها بهيمة .. واقتضى ذلك منهم وقتا وجهدا جبارا ..
ولما عادوا إلى سيرهم الأول سأل عبد الرازق :
ـ لماذا كل هذا التعب يا عم صابر .. فى سبيل شىء غارق ..
ـ اعذرنى .. يا ابنى كان لابد أن أتأكد من أنه ليس بإنسان ..
ـ وإذا كان ماذا تعمل له .. البحر واسع وكم يحمل فى جوفه من آدميين ..
ـ أبدا البحر لايحمل فى جوفه شيئا .. وانما يقذف بكل شىء إلى الساحل ..
وتقلص وجه صابر وهو يقول :
ـ حدثت لى حادثة منذ سنوات .. لم أترك بعدها غريقا فى الماء .. وأعرضه للسمك .. والكلاب ..
ـ انه ميت ..
ـ أبدا .. انه حى .. حى .. حتى يوارى فى التراب ..
ـ وإذا لم يدفن ..؟
ـ ستظل روحه تصرخ .. وتصرخ .. ولقد جربت هذا وقاسيت منه .. منذ سنوات كنا " محملين " من نجع حمادى وذاهبين إلى القاهرة .. وكانت المركب صغيرة ومعى جابر ابن عبد الموجود من بلدنا .. ولا ملاح سواه .. وكانت الريح مواتية فبلغنا سوهاج .. وبعد يوم واحد كنا مستريحين خلف خزان أسيوط .. منتظرين الهويس ..
ثم أقلعنا .. وقبل أن نقترب من منفلوط عاكستنا الريح .. وكان الموج عاتيا .. فذهب جابر يشد الحبال .. وتلفت فوجدته ساقطا فى الماء .. ولا أدرى كيف سقط .. وكان الموقف مروعا ومذهلا .. ولكننى كنت أعرف أن الغلام يجيد السباحة فاطمأننت وألقيت له .. بمجداف .. ثم بالمدراه .. ثم بكل ما فى السفينة من قطع خشبية .. ليستعين بها على الموج والتيار .. ولكنه لم يستطع أن يتعلق بواحدة منها .. وظل يسبح ثم غاص .. وظهر .. ثم غاص .. وظهر مرة أخرى وذراعه تتحرك .. وفى المرة الثالثة .. أخذته الدوامة .. ولم أره .. بعدها ..
ورسوت تحت قرية من القرى .. وبلغت العمدة .. ثم أقلعت .. وفى اليوم الخامس رأيت جثته .. تنطح جانب المركب .. ولكننى لم أنتشلها .. وتركته للتيار وقلت لنفسى انه مات .. وقدر عليه أن يموت فى الماء فليكن الماء قبره ومثواه ..
ولما عدت إلى بلدى .. أخبرت أمه بما حدث .. فبكت .. وسألتنى :
ـ وهل دفنته ..؟
ـ أجل ..
ـ أين ..؟
وهزنى السؤال فاضطربت ثم قلت سريعا ..
ـ فى منفلوط .. وكلها أرض الله ..
ـ وأين الحجاب الذى على قلبه ..؟
ـ نسيته .. أنسانيه الحزن ..
واطمأنت ..
ولكن قلبى لم يطمئن .. فكنت إذا جن الليل أتصوره وهو ينطح جدار المركب لأنتشله .. وأدفنه .. ولكننى لم أفعل وتركته للأمواج ..
فكنت أصرخ .. وأسمع روح الغلام تصرخ ومن وقتها وأنا آكل الأفيون ..
وتأثرت سميرة من حديث صابر وبكت ..
***
وبلغوا ساحل القرية وطلع عبد الرازق وسميرة من المركب .. وبعد أن منحا صابرا أجرا طيبا ..
وعادت المركب تستقبل من طريقها ما استدبرت .. ولكن بمشقة ..
وقال صابر لابنه لما رأى المركب لاتتحرك إلى الأمام ..
ـ تعال امسك الدفة .. وخلينى أجدف مع بلدياتنا ..
ـ خليه مستريح ..
ـ لا امسك ..
وأمسك الغلام بالدفة .. وجدف أبوه مع الرجلين .. وكانوا فى العودة ضد التيار والموج عاليا والريح لاتزال راكدة .. فلم يتقدموا من مكانهم .. وغلبهم التيار .. لم تقو عليه المجاديف ..
ـ حل يا حسن القلع ..
فأخذ الغلام .. يشد الحبل .. وبقيت عقدة لم تحل فى أعلا السارية فلم ينتشر القلع ..
ـ اطلع حلها ..
وترك الغلام الدفة لأبيه واندفع إلى السارية .. ولم يبصروا به وهو ساقط من أعلا وانما أحسوا بجسمه وهو ساقط فى الماء وصرخوا .. وقذف الأب بنفسه وراءه .. وظهر الغلام على السطح ثم غاص .. وراح فى الدوامة ..
وأتت موجة عالية عاتية .. وأصبحت الدنيا كلها ظلمات .. وظلوا يبحثون ساعات دون جدوى .. وأخرج الملاحان الأب من الماء .. وظلا يواصلان البحث ..
***
وكان صابر فى أعماقه يعرف أنه لاجدوى من البحث .. وأنه قد أن له بعد كل هذه السنوات .. أن يكفر عن ذنبه ..
وترك المركب للأمواج .. وأفسح لنفسه مكانا عند الدفة وسجد سجدتين ..
================================
نشرت القصة فى صحيفة الشعب المصرية 7/5/1957 وأعيد نشرها بالمجموعة القصصية لمحمود البدوى " الزلة الأولى " عام 1959
=================================
ص 10 الذئب ـ قصة قصيرة ل محمود البدوى
الذئب
قصة محمود البدوى
ظهر الذئب فجأة فى قرية " تل عمران " فروع أهلها .. وشل حركة الفلاحين فى المزارع .. وبساتين النخيل ..
وجعلهم يوقدون النيران فى أطراف الحقول .. ويطلقون البهائم من قيودها .. ويحبسون الأطفال فى المنازل من الغروب .. وأخذ الرجال الأشداء يهاجمونه عند سفح الجبل وفى المغاور وفى الأماكن التى يتصورون أنه رابض فيها .. وأطلقوا عليه ..
أطلقوا علية أكثر من الف طلقة من كل أنواع البنادق والمدافع الرشاشة ..
ولكنه كان يمرق كالسهم .. ويلف كالثعبان ويثب وثبة الأسد .. ويزوغ بين الكهوف كالثعلب ..
وكانوا يرون عينيه تقدحان بالشرر .. بعد كل قتال ينشب بينه وبينهم فيعرفون أنه حى .. وأن جهودهم ذهبت هباء ..
***
ومرت سنة وسنة مثلها .. والفلاحون يرون الذئب على حدود القرية .. وأصبح الذئب أسطورة .. ثم نسوه فترة من الزمان .. ولكنه عاد واحتل تفكيرهم .. فقد نهش فخذ طفل .. وهاجم رجلا حتى صرعه ..
فتجمع الفلاحون لمقاتلة هذا الوحش .. وخرجوا فى تجمعات لمحاصرته والقضاء عليه ..
***
ولكنه كان لايعبأ بشىء من هذا كله .. وكان لايثنيه أمر عن فريسته .. وأصبحت حوادثه .. وتحركاته فى قلب الليل تدور على السنة الفلاحين فى القرى والنجوع ..
***
وكان أهل القرية يبيعون الملح ويزرعون الشعير على ماء الأمطار .. فى رقعة صغيرة عند سفح الجبل .. وكانت هذه الرقعة لاتكفيهم .. ولا تقوم بأودهم .. فكانوا يتصارعون على الحياة ويقتتلون ..
وكترت حوادث السطو والنهب والأخذ بالثأر فى الطرقات والممرات الجبلية .. وندر أن يمر اسبوع دون أن تقع هناك حادثة مروعة ..
***
وفى ليلة حالكة قتل الشيخ " تغيان " من زراع القرية وكان عائدا من البندر .. وطير الخبر إلى المركز ..
وعرف اسم قاتله نعمان .. وكان فاتكا شديد البطش .. وبينه وبين القتيل خصومة قديمة ..
وخرج المأمور على رأس فصيلة من الجند .. لتحقيق الحــادث وللقبــض على الجانى قبـل أن يهرب فى دروب الجبل ..
ولما بلغ المأمور حدود القرية .. وجد أهلها على الجسر يبحثون عن شىء آخر .. عن غلام .. خرج بالبهائم إلى الحقل .. وعادت البهائم بدونه فتوجسوا شرا من الذئب .. وقالوا انه التقى به وأكله ..
وخرجت أمه تصرخ وتلطم خديها .. وخرج على صراخها الفلاحون بهراواتهم وبنادقهم إلى المزارع .. وأصبح المأمور أمام حادثة جديدة فانطلق يطارد القاتل .. ويبحث عن جثة الغلام ..
***
ولم يكتف الأهالى بهذا فاجتمع عند دوار " العمدة " حشد كبير من الناس .. وانطلقوا جميعا يبحثون عن الغلام فى كل مكان ..
***
وبعد ساعات عادت كل هذه الجموع أمام " الدوار " بخفى حنين .
وكانت أم الغلام تصرخ وتولول وأبوه يبكى .. وكل حاضر من هذه الجموع يصرخ فى أعماقه ويشعر بالانكسار .. لأن الحيوان تغلب على الإنسان وبطش به ..
ولما لم يعثروا على أى أثر للغلام .. سرت اشاعة مسرى النار فى الهشيم بأن الذئب أكل عظام الغلام ولحمه .. فخيم الحزن على النفوس ولطمت الأم خديها وتحولت القرية إلى مناحة .
وفى الساعة العاشرة ليلا سمع العمدة طلق النار بشدة .. واهتز الجو من الرصاص ونبحت الكلاب .. وتمنى العمدة فى هذه اللحظة أن تكون الداورية قد التقت بالذئب .. والتقت بالقاتل فصرعتهما .. معا .. ليستريح رجال الأمن من كل المتاعب .
وسمع بعد قليل أن الضربة كانت موجهة إلى الذئب .. وأن أحد الفلاحين صرعه عند التل فأرداه .. فتنفس العمدة الصعداء .. وخرج ليقابل الرجال الشجعان ..
ورأى جموعهم تقترب فى الظلام وهى تجر شيئا على الأرض ولما اقتربوا من النور أدركوا أن الظلام خدعهم .. وأنهم قتلوا كلبا .. من كلاب القرية ..
***
وأصبح أمل الأم بعد هذا أن يبحث لها العمدة عن عظام ابنها .. لتلقى عليه نظرة أخيرة .. وهى راضخة لحكم الله ..
***
ومع نور الفجر .. ظهر شىء يتحرك على الجسر ..
ظهر نعمان .. يحمل الغلام المفقود .. وكان الغلام بادى الاعياء من الدم الذى نزف منه .. وظهر من خلال ثوبه الممزق أسنان الحيوان فى لحمه ..
وكان نعمان ساكن الجنان ويمشى مشية من لايروعه أى شىء فى الحياة ..
وكانت بندقيته فى كتفه .. ولكنه ثنى مسورتها إلى الأرض .. وقبل أن يقترب من الرجال توقف .. ورأى سيارة البوليس من بعيد وحولها الجند .. فتسمر فى مكانه لحظات وانتفض جسمه وانتفخ وريده .. وهو ينظر إلى الغلام على صدره .. وقد شل جسمه عن الحركة ..
ثم تقدم .. صامتا .. وعيون الرجال والجنود مسلطة عليه .. حتى وضع الغلام على صدر أمه ..
وجفت القلوب .. وتحركت الأيدى على البنادق .. ولكن نعمان لم يحرك يده .. واستدار واتجه إلى سيارة البوليس الواقفة على الجسر .. وسلم سلاحه إلى الجندى الواقف هناك .. ثم ركب من الخلف ..
***
وأحس المأمور بأن شيئا يضغط على عنقه كأنه يخنقه .. فحرك رباط عنقه ثم تقدم نحو السيارة وصاح فى السائق .
ودار الموتور .. وانطلقت السيارة تحمل نعمان من الخلف .. مطوقا بالعساكر .
وفى الأمام جلس المأمور ومعه المعاون .. بجانب السائق .
وأخذ نور الصبح .. يشعشع ووضحت الرؤية وأسرعت السيارة تطوى الأرض طيا .. وفى أحد المنحنيات لمح المعــاون .. شيئا مكوما على الرمال .. وحوله خيوط من الدم ..
فقال للمأمور :
ـ انه هناك ..
ـ من ..؟
ـ الذئب ..
ورفع المأمور رأسه ونظر إلى هناك ثم رد بصره من خلال النافذة الصغيرة إلى الرجل الجالس فى الخلف .. فوجده قـد نكس رأسه وأطرق وعينه إلى الأرض .. التى تجرى تحته .
=================================
نشرت القصة بصحيفة الشعب المصرية فى 941957 وأعيد نشرها فى مجموعة " الزلة الأولى " لمحمود البدوى عام 1959
=================================
ص 9 الفرقة الأجنبية ـ قصة قصيرة ل محمود البدوى
الفرقة الأجنبية
قصة محمود البدوى
قبل سنوات كان الفلاحون فى الريف يحسون بالفراغ .. ولم تكن فى معظم عواصم المديريات دار واحدة للسينما .. ولاشىء للتسلية واللهو .. وكانت كل هذه الأشياء مركزة ومجمعة فى القاهرة .. فإذا حدث ورحلت فرقة تمثيلية صغيرة .. من قلب العاصمة وحطت رحالها فى مدينة .. المنيا .. أو سوهاج .. استقبلها الناس بحرارة لاحد لها .. حتى وإن كانت من أحط الفرق الجوالة على الاطلاق ..
وكان الخواجه " اسناسيو " يملك فندقا كبيرا فى مدينة أسيوط مجاورا للمحطة .. وفى هذه المنطقة تتجمع كل الفنادق والمقاهى التى فى المدينة .. ويشتد بينها الصراع ..
وكان الخواجه " اسناسيو " يعمل بعقل ذكى على راحة النزلاء ويجدد فى الفندق ويبتكر وسائل للتسلية ، فكان فندقه من أشهر وأحسن الفنادق فى المدينة ..
ويستيقظ نزلاء الفندق ذات صباح على صوت أنثى .. تتكلم باللهجة " المصرية " الناعمة وتضحك وفى يدها السيجارة .. ويرون القميص الذى يضم صدرها ينشق عن مثل المرمر .. والساق منثنية إلى جانب وعارية .. فيعرفون فى الحال أن فرقة أجنبية جاءت من القاهرة فى قطار الليل ..
وتكون الفرقة فى الغالب مغمورة وقضت فى العاصمة .. ستة أشهر على الأقل فى تعطل مر .. وليس من بين أفرادها اسم واحد رددته الصحف .. ومع هذا كله .. فبعد ساعة من وصولها يتدفق الناس على الفندق كالسيل ..
***
وفى الليل يبدأ عمـل الفرقة .. ويظل الرقص والموسيقى إلى الصباح .. وتأتى وفود العمد والأعيان من ملوى وديروط وكل المراكز البعيدة والقريبة .. ويصبح من المألوف جدا أن تقف عربة كبيرة على باب الفندق .. وترى على رفوفها غبار السفر .. وينزل منها أحد كبار الأعيان .. ويكون ضخما فى الغالب ويرتدى الكاكولة السمراء والقطنية البيضاء ذات الخطوط السوداء الرفيعة .. ويندفع توا إلى الداخل .. وهو يحيى الموجودين .. ثم ينزل بعده ستة من التوابع ، أربعة منهم مسلحون على الأقل .. ويجلس اثنان بالبنادق على الباب .. ويدخل الباقون ..
وتركز عيون الرجال جميعا .. على شىء واحد .. فى الفرقة .. شىء عجيب فى نظرهم .. راقصة .. تركية .. أو شركسية .. أو مصرية أو " منصورية " .. راقصة واحدة تنسيهم رائحة الدريس .. وعليـها يدور الصراع .. وتدور الكئوس .. وتفرغ زجاجات الشمبانيا .. وتحرق أوراق البنكنوت من كل الأحجام .. لإشعال سيجارة لها .. وتكون هى فى الغالب لاتدخن على الاطلاق ..
كانوا يبيعون القطن وينثرون ذهبه تحت أقدام الغوانى والراقصات ومن ورائهم يزحف بنك الأراضى والبنك العقارى ناشبا مخالبه ..
***
وفى خلال السنوات الأربع التى قضيتها فى فندق " ديانا " لم أشعر بأى ملل على الاطلاق ..
وكنت أول من ينهض من الفراش فى الصباح .. وأنزل إلى حديقة الفندق الصغيرة لأنظر وأشرب القهوة وأطالع الصحف التى وردت فى قطار الليل .. قبل أن أذهب إلى عملى فى تفتيش الرى ..
وذات صباح رأيت شابا نحيفا فى الثالثة والعشرين من عمره قد سبقنى إلى الحديقة .. وجلس يشرب الشاى ، وكانت تبدو عليه الوداعة ، ثم أقبلت فتاة من داخل الفندق وجلست بجانبه .. وأخذت تحادثه بصوت خافت .. ولاحظت أنها شديدة الخجل فبمجرد أن لمحتنى جالسا عن قرب تضرجت وجنتاها .. وكانت بيضاء طويلة وجسمها تبرز تقاطيعه فى تناسق مع الفستان الذى تلبسه .. ولمح الشاب " جارسون " اللوكاندة واقفا هناك على باب الحديقة ، فصاح فيه :
ـ من فضلك .. صحى الجماعة اللى فوق .. جعنا ..
ـ حاضر ..
وبعد نصف ساعة كانت الفرقة كلها تتناول الافطار بجوارى .. وكانوا يتحدثون عن رحلتهم .. فى بنى سويف والمنيا .. ويكثرون من الضحك ويتندرون على الفلاحين البسطاء ..
ولاحظت من وجوههم وهندامهم ، أنهم من فرق الدرجة الثالثة ولكنهم كانوا يضمون إلى مجموعتهم فتاتين من أجمل من رأيت من النساء .. وكان لإحداهن جسم شفاف كالبللور .. ينثنى ويلف كالخيرزان ..
***
وفى الساعة الحادية عشرة صباحا ، رأى الناس الموسيقى فى المدينة لأول مرة تعلن قدوم الفرقة .. وكان على رأسها " بلياتشو يلبس طرطورا " .. ويرقص ـ وهو سائر ـ حاجبيه .. ويكتفى بهذه الحركة عن عمل أى شىء آخر ..
وفى الليل بدأ الغناء ودار الرقص .. ومثلت رواية مضحكة اشترك فيها الجمهور .. وسمعت وأنا جالس فى بهو الفندق الغناء .. ورنين الصاجات .. ونقر الدف .. ولكننى لم أشاهد التمثيلية ، وحوالى الساعة الثانية صباحا انفض السامر .. والتف الأثرياء حول موائد الشراب .. ورأيت جماعة منهم هناك فى زاوية من القاعة .. ومعهم الفتاة التى كانت ترقص فى السامر .. وهى الفتاة التى شاهدتها فى الصباح مع الشاب فى الحديقة .. جلست فى أول الأمر منكمشة خجلى لاتفهم بعض كلماتهم الصعيدية ثم شربت معهم وأكلت وأخذت تضحك ، وجلسوا حولها حلقة يشعلون لها السجائر بأوراق البنكنوت .. وابتدءوا بالجنيه .. والعشرة .. وهم يضحكون .. ولكن اسماعيل " بك " كتم أنفاس الحاضرين فجأة فقد أخرج بهدوء من جيبه ورقة بمائة جنيه .. وأشعل بها السيجارة للفتاة ..
ورأيت دخان الورقة الأزرق .. يصعد إلى خياشيم الفتاة .. ثم رأيت الرماد يسقط على الأرض ..
وفى غمرة الانتصار ونشوته .. وقفت الفتاة منتصبة .. ورأيت عواطفها كلها تذوب .. كأنها تود أن تحتضن الرجل وتقبل وجناته ..
ثم غالبت نفسها وعادت إلى كرسيها وفمها يتموج راقصا بالضحك ..
***
ولما صعدت لأنام سمعت صوت اسماعيل " بك " ورائى .. فقد كان يقيم فى الطابق نفسه .. وفى غرفة مجاورة لغرفتى ..
ولما أدرت الأكرة وحركت الباب .. رأيت على الضوء الخافت ، ضوء سيجارة هناك فى الممر .. فتوقفت ومددت بصرى ، فرأيت الشاب الذى كان فى الصباح يشرب الشاى فى الحديقة .. جالسا هناك فى العتمة .. فى نهاية الممشى كأنه فى انتظار رفيقته ..
وفى عصر اليوم التالى شاهدت من نافذة غرفتى .. الموسيقى عائدة من جولتها فى المدينة .. وكف العزف .. ودخل البلياتشو من باب الفندق وهو ينزع القناع .. ورأيت وجه الشاب رفيق الفتاة الراقصة ..
وقبل الغروب نزل إلى الحديقة .. وكان قد اغتسل ولبس البدلة التى شاهدته فيها فى اليوم الأول .. وحيانى وجلس جانبا يطالع بعض الصحف ..
وسمعت الفتاة الراقصة تناديه من فوق .. وكان مستغرقا فى المطالعة فنبهته .. فرفع وجهه إليها ..
ـ رءوف .. اطلع ..
فهز رأسه .. وعادت تلح وتناديه ..
فطوى صحيفته .. وصعد إليها ..
وعاد بعد فترة وجيزة منفعلا وعلى وجهه الغضب وجلس ساهما على المقعد نفسه .. ونزلت الفتاة بعد قليل .. وكانت متأنقة .. ومتعطرة .. وترتدى رداء محتشما سابغا .. كأنها عذراء من الريف .. وأخذت تحادثه بصوت خافت .. وكأنها تناجيه .. حتى رأيت وجهه يعود إلى هدوئه .. وانفتأ الغضب ..
ثم نهضا .. واتخذا طريق النيل ..
***
وبعد آذان العشاء .. خرجت لأجول فى المدينة .. ولما رجعت إلى الفندق فى الساعة العاشرة مساء .. كان الرقص دائرا فى القاعة الداخلية .. وكان رءوف جالسا وحده .. تحت مدار السلم وقد مال رأسه على صدره .. وتنبه على وقع أقدامى .. فرفع رأسه .. وحدق في مليا ثم سدر ..
وجلست قريبا منه أتعشى وأنا أسمع صوت الأنغام .. ولما دعوته للطعام اعتذر وقال لى :
ـ اعتدت أن أتعشى مع مديحة بعد أن تنتهى من رقصتها وستأتى حالا ..
ولكنها لم تأت ..
وانقضت ساعتان هكذا وهى تضحك مع الرجال فى الداخل .. وهو يسمع ضحكها من مجلسه ويتلون وجهه بكل الألوان .. وقد عجبت من تصرفه وشذوذه ، يصاحب راقصة ثم يغار عليها .. وسمع ضحكة حادة منها فابيض وجهه .. وكان أمامه كوب من الماء .. فرفعه إلى فمه .. ويده ترتعش .. ولا تقوى على حمل الكوب .. ولاحظت .. أن حاجبيه يرقص رقصة واحدة شديدة فى كل خمس .. أو ست ثوان ..
وظل يدخن وينفض الرماد ثم نهض وصعد إلى فراشه ..
وسمعت صياحا .. عاليا .. يأتى من الداخل .. وأزحت الستارة ووقفت أشاهد مديحة وهى ترقص بالصاجات وينثنى جسمها كالثعبان وكانت وسط نفر قليل من الرجال لايزيد على خمسه .. ولم يكن من بينهم اسماعيل بك ..
وكان الدخان يملأ جو المكان .. ومديحة ترقص على نقر خفيف .. للدف .. ولايوجد عود ولاناى .. ودار جسمها دورات ثم أسبلت عينيها وهى تتأوه .. حتى اقتربت من " كنبة " .. فجلست تستريح وحبات العرق تتساقط كاللؤلؤ من جسمها العارى ..
ثم انتصبت وأمسكت بثوبها وهى تقول :
ـ كفاية .. بأه .. أحسن مسافرين بكره .. بدرى ..
وصعدت السلالم وحدها ..
ولما ذهبت لأنام بعد ذلك بنصف ساعة .. وجدت نور الغرفة التى اعتـادت أن تنام فيها مع الشاب مطفأ ولم أسمع صوتا هناك ..! وغفوت .. ثم تنبهت على صوت اسماعيل بك فى الغرفة المجاورة .. ولما رفعت رأسى عن الفراش وجدت فى غرفته ضوءا خفيفا .. وكان الصوت الذى سمعته قد انقطع ولكنه عاد أشبه بالهمس .. فتحركت من فراشى .. وفتحت الباب .. فوجدت بابه مواربا واستطعت أن أرى مديحة وهى ترقص عارية فى زاوية من الغرفة دون صوت وكأنها نائمة واسماعيل بك يتربع أمامها وفى يده الكأس وعيناه نصف مغمضتين والدخان يملأ جو الغرفة ..
وخشيت أن ترانى .. فعدت إلى غرفتى .. وتمددت على السرير ..
***
وفجأة دوت طلقات مزقت السـكون .. وجريت على صوت النار ، فوجدت مديحة ساقطة فى مكانها .. واسماعيل بك .. قد تدحرج بجوارها على الأرض ..
وكان رءوف على الباب .. وفى يده المسدس ..
ولما تناولته منه .. سلمه دون مقاومة ..
ـ لن يقتلونى هنا ويمزقونى .. بالسكاكين ..
ـ لا .. لن يمسك بك أحد حتى يأتى البوليس ..
وأغلقت الباب من الداخل ..
وأمسك بى وأخذ يهذى :
ـ حضرتك محام .. اعمل معروف .. خلصنى .. أنا مريض .. أنها زوجتى .. ولقد تزوجتها وهى راقصة لتكون لى وحدى .. ولم تكن هكذا كانت أشبه بالعذراء .. وقد عملت بلياتشو فى الفرقة .. لأكون معها فى الليل والنهار .. أنا مريض .. مريض بالأعصاب .. ولا أستطيع أن أقوم بأى عمل .. عندما كنت فى بطن أمى .. أتهم والدى فى جريمة قتل وسجن وكان الناس جميعا يعرفون أنه برىء .. ولكنه بقى فى السجن ثلاث سنوات ، ولما صدر الحكم أخيرا بالبراءة .. كان قد ضاع ، وتمزقت أعصاب أمى ، وقد ورثت منها هذه الأعصاب ، أنا غير مسئول ، أنا مريض .. ولن تتركنى .. وحدى .. أنت شاهد .. وأنا مريض .. مسكين ..
وأطرقت برأسى وأنا مدرك أننى لاأستطيع أن أفعل شيئا لهذا الشاب ورحت فى دوامة من الخواطر ، وفى خلال تلك الدوامة خيل إلىَّ أننى أسمع رنين الصاجات .. وأرى جسم مديحة .. الشفاف كالبللور وهو ينثنى ويدور .. برقصة بكر .. وخيل إلىَّ أنها ترقص لى وحدى رقصة جديدة .. لم ترقصها من قبل لإنسان ..
=================================
نشرت القصة بصحيفة الشعب فى 1/2/1957 وأعيد نشرها بجموعة قصص لمحمود البدوى بعنوان " حارس البستان " وفى مجموعة " قصص من القرية" ـ مكتبة مصر
=================================
ص 8 السكين ـ قصة قصيرة ل محمود البدوى
السكين
قصة محمود البدوى
عاد زكى إلى مسقط رأسه بعد غيبة طويلة .. ووجد القرية كما تركها منذ أربعة عشر عاما .. بنخيلها .. وبيوتها السوداء .. وأشجار الجميز الضخمة على الترعة .. لم يتغير شىء من معالمها .. ولم يتطور ، ورأى شيئا واحدا جديدا بجانب السكة .. بناية بيضاء فى الأرض الفضاء الملاصقة للسوق .. ووجد الأطفال يلعبون فى ساحتها .. ولما سمعوا الجرس انطلقوا إلى الفصول ..
وسر زكى لمرآهم .. ونظافة ثيابهم .. وحدث نفسه بأنه جيل جديد ينمو فى الهواء الطلق والشمس .. وليس فى البرك والمستنقعات كما نما هو وشب ..
وشعر برجفة وهو يغوص بنعليه فى التراب .. ويقترب من بيت والده .. وطافت برأسه الذكريات .. حتى تندت عيناه .. وكانت زوجته فوزية تمشى بجواره صامتة .. وتسحب الطفلين وراءها .. وكان هو يحمل سلة وضعوا فيها ملابسهم وبعض أشياء اشتراها لجنازة أبيه .. سجائر وبن ..
ولاحظ وهو يمشى على جسر الترعة .. أنه قد خرج من المحطة ولم يعرفه أحد من الأهالى .. كان يرتدى بدلة سمراء قديمة .. ولكنه حرص على أن تبـدو نظيفة ، فلبس فوقها وهو فى القطار جلابية حتى لا تتسخ ..واشترى لزوجته فستانا جديدا أسود .. ولولديه جلبابين ليبدوا جميعا فى أحسن حال .. ولكن عينيه كانتا تخونانه .. وصفحة وجهه كانت تنطق بالتعاسه .. وتعبر عن مقدار ما يعانيه من الألم والجوع ..
***
ولما اقترب من البيت مسح عينيه .. وأدخل امرأته مع الطفلين من باب الحريم ثم تقدم إلى المضيفة .. ورأى ثلاثة أشخاص على بابها ينتظرون المعزين .. وبينهم أخوه عبد الرءوف .. فسلم عليهم ودخل ووجد الناس جالسين فى صفوف على الدكة والكراسى .. فجلس فى أول مكان صادفه .. وعرفه أخوه .. حسانين وكان قريبا من الباب ولكنه لم ينهض إليه ..
وبعد فترة قصيرة .. عرفه الجالسون عن قرب .. وبدأ الهمس فى الجنازة وتركزت عليه عيون أهل القرية .. وكان المقرىء يرتل القرآن فاكتفوا بتسديد نظراتهم نحوه .. فلما فرغ المقرىء من التلاوة .. نهض الشيخ سعفان مأذون القرية وخطيبها .. وجلس بجواره يواسيه فى مصابه .. ثم أقبل الشيخ رضوان وكيل العمدة وجلس عن يمينه وحوله بعض الفلاحين .. وبدا من نظرتهم جميعا أنهم أنكروه ، فقد فوجئوا برقة حاله وبساطة ملبسه .. على خلاف ما سمعوا عنه .. فقد قيل لهم أنه يدير عملا مربحا .. وأنه " حوش " الألوف .. فوجدوه أفقر منهم ..
وكانت عيونهم جميعا تود سؤاله ومعرفة أحواله ، ولذلك شعروا بالراحة عندما سأله الشيخ سعفان :
ـ فين .. دلوقت .. يا زكى أفندى ..؟
ـ فى إسكندرية ..
ـ إسكندرية واسعة .. فين يعنى ..
ـ فى كرموز ..
وارتعش فمه فضم شفتيه .. ولاحظوا اضطرابه فأسكتهم الشيخ رضوان بعينيه .. لم يسألوه شيئا آخر .. وقالوا له :
ـ ربنا يعينك ..
وقدم له الشيخ رضوان سيجارة .. فأشعلها ونكس رأسه .. ولاحظ زكى أن ضوء " الكلوب " يسقط على كم سترته الممزق .. فثناه ليخفى التمزيق .. ولكن الكم كان يعود إلى وضعه الطبيعى من أقل حركة وزاده هذا اضطرابا ..
وكان الأهالى من القرى المجاورة يعزون اخوته الثلاثة .. أما هو فلم يتقدم إليه أحد بتعزية لأنهم لم يعرفوه .. فلما عرفوه .. كانوا يتجاهلون وجوده ..
***
وحوالى الساعة التاسعة ليلا .. والبرد يسفح الوجوه .. شاهد زكى ابنه " بليغ " يقف على باب المضيفة حائرا .. يبحث فى الوجوه .. فلما استقر بصره على وجه أبيه قفز إليه .. وهمس :
ـ ماما .. عاوزاك ..
وكان يبدو على الغلام أنه ضرب حتى بكى ..
فاحتضنه زكى لحظة ..
وقال أحد الموجودين :
ـ ابنك دا يا زكى أفندى ..؟
ـ أيوه ..
ـ من الست ..
ـ أيوه ..
ونهض .. ليقطع الحديث .. ودخل على الحريم .. ووجد قريباته جالسات فى الصالة ، وكان هناك " فانوس " فى السقف .. يرسل الأضواء على وجوههن .. وبحث بينهم عن زوجته .. فوجدها هناك تجلس وحدها .. وعلى وجهها الحزن الأخرس .. وكان ابنها الصغير .. نائما بجوارها .. من غير غطاء ..
ووجد العيون جميعا ترمقه .. وسمع عمته نبوية تسأل :
ـ دا بسلامته .. زكى ..
ـ أيوه يا عمتى ..
ـ مالك .. كده .. اتغيرت .. وأنت لسه صغير .. ماتطلعش من دور ابنى عبد السلام ..
ـ كده .. الدنيا ..
ـ كده يا ابنى .. عذبت نفسك وعذبت " أبوك " .. مات وكبده مقطع منك ومن عمايلك .. وخليته حرمك من الميراث ..
ـ أنا مش عاوز حاجة من حد ..
ـ يا ابنى مسكين .. وباين عليك الجوع .. والعرى .. والست بترقص فينهى كباريه ..
ـ يا عمتى بلاش الكلام دا .. احنا جايين ليلة نحضر الجنازة .. ومن الفجر مسافرين ..
ونظر إلى زوجته المسكينة .. فوجد وجهها يتمزق من السياط التى تلهبه .. وأنبه ضميره لأنه السبب فى كل هذه الآلام .. فقد كانت ترفض أن تسافر معه ولكنه ألح عليها فى السفر لأنه كان يتصور أن أهله ينسون كل شىء بعد وفاة أبيه .. وليريهم أن زوجته امرأة ككل النساء .. وليست كما يتصورون .. ولكن ظنه خاب .. وأخطأ فى كل تقدير .. فالعزبة غير المدينة ..
وحدثته زوجته وهى باكية بضرورة السفر الليلة فعرفها أنه لاتوجد قطارات فى الليل تقف على هذه المحطة الصغيرة .. فحزنت ، وقضت الليلة فى مكانها .. منبوذة لايحادثها أحد .. وقدموا لها الطعام مع الخدم فرفضت أن تأكل ..
***
ونزل هو إلى المضيفة .. جلس فى بيت أبيه كالغريب .. جلس فى البيت الذى ترعرع فيه ، كأنه لاتربطه به صلة ، شعر بشىء يتمزق بداخله .. وأن السكين الحادة التى قطعت صلته بأبيه وأخوته .. قد وصلت إلى الأعماق .. وتساءل .. أتشعر بهذا ، وينظر الناس إليه هكذا .. لأنه حرم الميراث .. لأنه لاصلة مادية تربطه بالأسرة .. وهل هذا الشىء المادى هو الذى كان يربطه بأهله ، فلما أصبحت هذه الصلة غـير موجودة أصبح هو غير موجود فى نظرهم .. وعذبه التفكير ..
وأخذه الشيخ رضوان ليتعشى وينام فى بيته ..
***
وفى الصباح جلس الشيخ رضوان يشرب مع ضيفه الشاى وقال زكى وكأنه يحدث نفسه :
ـ فكرت .. وأنا فى القطار أن أعيش فى بيت أبى .. لأنه قد خلا واخوتى ، كل يعيش فى بيته الخاص .. وفكرت فى أن أزرع فدانين أو ثلاثة بالإيجار فإن الزراعة ليست غريبة علىَّ .. أنها مهنتى .. فكرت فى هـذا .. ولكن أخى عبد الرءوف قال لى أن بيتنا لا تعيش فيه الراقصات ..
ـ يجب أن تعرف طباع الناس فى الريف .. والقرية صغيرة ..
ـ ولكنها لم ترقص فى حياتها سوى ليلة واحدة .. الليلة التى شاهدتها فيها وفى اليوم التالى .. كانت فى بيتى .. وكانت زوجتى .. وهى امرأة شريفة ككل من تعرفهم من النساء .. ولقد أنقذتها من الدنس .. فهل أعاقب على هذا إلى الأبد ..
ـ ولماذا لم تنجح فى حياتك وأنت متعلم .. وغيرك من الجهلاء يتركون القرية إلى القاهرة والإسكندرية .. ويعودون بثروة ..
ـ لقد لازمنى سوء الحظ .. وكلما تقدمت لعمل .. أشاع الناس عنى أن والدى طردنى .. لأننى تزوجت راقصة .. وأننى فاسد .. فهل ينجح فى الحياة من يوصم بهذه الوصمة ..
هناك سكين حادة تقطع صلتى .. بالحياة والناس فتقطعت بى الأسباب وعشت ضائعا ..
ـ فى اعتقادى .. أنك ضعت .. لأنك كنت دائما تشعر بأنك أخطأت وارتكبت اثما .. وأنت عاص .. فانغمست السكين فى ظهرك وحملتها ودرت بها ولهذا لم تنتصب أبدا ..
ـ وماذا أعمل الآن ..؟ هل أميت الأطفال جوعا ..
ـ أخرج هذا السكين من ظهرك وإذا كنت تشعر بالوزر الآن لأنك تزوجت براقصة فطلقها .. وواجه الحياة والناس ولا تجعل شيئا يشدك إلى الأرض .. واترك هذه الحساسية الشديدة التى حطمت أعصابك ..
وابتسم زكى .. وأطرق .. ثم رفع رأسه على صوت الشيخ وهو يقول :
ـ والآن هيا لتأخذ " قطر تسعة " وسأذهب معكم إلى المحطة ..
وخرج زكى واسرته من القرية كما دخلوها .. دون أن يحس بهم أحد .. ورافقهم الشيخ رضوان إلى المحطة .. وقطع لهم التذاكر .. وقبل أن يدخل القطار .. وضع فى يد زكى حزمة من الأوراق ..
فسأله زكى فى استغراب :
ـ ما هذا ..؟
ـ هذا دين للمرحوم والدك عندى .. دين قديم .. وكنا نتعامل من غير سندات مكتوبة .. ولقد قررت بعد أن علمت حرمانك من الميراث .. أن أعطيه إياك وحدك .. لأنه حقك ..
ـ ولكنه مبلغ كبير ..
ـ ابدأ به الحياة ..
ـ أشعر الآن بأن السكين خرجت من ظهرى ..
وتناول يد الشيخ ليقبلها فجذبها هذا سريعا .. وصفر القطار ..
وعندما نظر زكى إلى طفليه وزوجتـه فى العربة .. وجدهم يبتسمون .. ولم يعرف سبب ابتسامهم .. فتقـدم إليهم مبتسما لأول مرة .. وبدت المزارع نضرة على الجانبين .. كل شىء باسم ..
====================================
نشرت القصة بصحيفة الشعب فى 4/1/1957 وأعيد نشرها فى مجموعة قصص لمحمود البدوى بعنوان " زوجة الصياد " و " قصص من القرية " ـ مكتبة مصر
====================================
ص 7 الغريب ـ قصة قصيرة ل محمود البدوى
الغريب
قصة محمود البدوى
سمعت رقية الكلاب تنبح بشدة .. فأطلت من باب الكوخ وحدقت فى الظلام فوجدت أنها تحاصر رجلا يصعد التل وقد سدت عليه الطريق وأخذت تتوثب حوله وتتهارش فجرت تدفع الكلاب عن الرجل بصوتها ويديها .
ونظر إليها الرجل وهو يحاول أن يتحرك بصعوبة .. كانت الكلاب قد نهشته فى أكثر من موضع من جسمه .
ولما رأت رقية الدم على ساقه .. جرت وحملت المصباح من داخل الكوخ وسقط الضوء على وجه الرجل .. فعرفت أنه غريب عن العزبة وعن أهل القرية .. وكان وجهه أسمر .. نابت اللحية .. خفيف الشارب ..
وأخذ يرش على الجرح التراب الناعم .. ليوقف الدم ..
فقالت وهى تقرب المصباح ..
ـ عنـدنا قليـل من البن .. هل تستطيع أن تمشى إلى الكوخ ؟ ..
ـ أستطيع .. لقد خف الألم .. وأريد أن أشرب .
ـ تفضل ..
وقالت لما بلغا باب الكوخ واستراح الرجل الجريح ..
ـ لماذا مررت من هناك .. وهيجت عليك الكلب ؟ .. الطريق من شرق ..
ـ أنا غريب .. ولا أعرف طرقا .. فاتتنى المعدية .. وخرجت من الساحل فوجدت الظلام من حولى ولم أجد غير الضوء فى كوخكم .. فسرت إليه .. لماذا كل هذه الكلاب ..؟
ـ ليس عندنا سوى كلب واحد ..
ـ والباقى ..؟
تتجمع دائما على الغريب ..
ـ لقد نجوت منها .. لأنها انقسمت فريقين .. وأخذت تتهارش .. وتتقاتل .. أدرك بعضها أنى غريب وأحتاج للمساعدة .. حتى الكلاب فيها الأخيار والأشرار ..
وابتسمت المرأة ..
ـ ولكن لماذا تسير فى الليل .. وليس معك حتى عصا ؟
ـ هكذا تعودت .. لم أكن أقدر .. أنى سأتأخر .. ذهبت من الفجر إلى السوق لأشترى جاموسة ..
ـ ولماذا لم تشتر ..؟
ـ وجدتها غالية .. قالوا لى أن الجاموس فى جهات ملوى رخيص ولكنى وجدتها غالية بثمانين وتسعين .. ومائة جنيه .. وعندنا فى سوق الاثنين .. وسوق الحواتكة .. أرخص .. وأوفر المشوار ..
وخيم الصمت ..
وسألت وقد رأت الاعياء على وجهه ..
ـ جائع ..؟
ـ لم آكل منذ الصباح ..
ودخلت الكوخ .. وخرجت تحمل له الطعام ..
فقال وهو ينظر إلى وجهها الصبوح ..
ـ حتى الطعام نصيب ..
فابتسمت .. وأخذت تراقبه ـ وهو يأكل ـ صامتة .. كان وجهه وجه إنسان يتألم ..
وقالت ..
ـ لو رآك همام .. وأنت مار من تحت كان " طخك " ..
ـ هل فى أرضكم ذهب ؟..
ـ ليست الأرض هى السبب .. وإنما البهائم ترعى طول الليل .. منطلقة من العزبة دون أن يحرسها أحد .. وندر أن يمر من هنا الغريب .. ندر ..
ـ ولهذا كلابكم مسعورة ..
ـ إنها لاتحب الغريب ..
ـ وكيف أخرج من العزبة ..؟
وفكرت قليلا .. ثم قالت ..
ـ سيأتى همام .. بعد قليل .. ويمشى معك ..
وبرغم خواطرها التى كانت تشغلها لم يمنع الأمر من أن تكرمه كضيف .. ففرشت له حراما ليتمدد .. حتى يأتى زوجها ..
واضطجع الرجل .. وجاء كلب ضخم وربض بجانبه ..
وغفا .. واستيقظ بعد منتصف الليل .. على زمجرة الكلب وهو يرحب بمقدم صاحبه .. وتحدثت رقية مع زوجها .. وأشارت إلى الرجل الغريب .. فتقدم همام اليه يفحصه ببصره .. ثم صافحه ..
وجلس الرجلان يتحدثان .. وعيونهما تبرق فى الظلام .. وكان السكون شاملا وكان همام جامد الملامح ولايعبر وجهه عن شىء ..
***
ووضع الرجل الغريب رأسه على الفراش .. ونام همام مثله خارج الكوخ والبندقية بجانبه .. وظلت رقية .. ساهرة .. ثم غلبها النعاس فنامت وهى جالسة .. فى مدخل الكوخ ..
ولما فتحت عينيها .. كان الرجل الغريب يصلى الفجر .. ثم سوى ملابسه وطوى الحرام ووضعه بجانبه ..
وسمع صوت رقية ..
ـ ذاهب .. هكذا .. فى البكور ؟
ـ أجـل .. يجب أن يرانى الأولاد قبل الشمس .. وإلا شغلوا ..
ـ مع السلامة .. سأحبس عنك الكلاب .. اتجه إلى الشرق .. واجعل غيط الأذرة على يمينك دائما ..
ولمـــا هم الرجـل بالانصراف .. سمعت رقية زوجها يقول ..
ـ سأرافقه .. حتى يخرج من العزبة ..
ونهض همام .. وتناول بندقيته .. ونظرت المرأة إلى زوجها .. ولم تنبس وسار الرجلان فى الطريق ..
***
وبعد ساعة .. رأت زوجها عائدا .. ودخل صامتا وعلق البندقية .. ووضع شيئا فى شق الحائط ..
فنظرت وذعرت ..
ـ ما هذا انه منديل الرجل .. و .. و .. نق .. ونقوده
فنظر اليها همام وقال بهدوء ..
ـ أعطانى .. ثمن الجاموسة .. سأشتريها له من سوق السبت ..
فحدقت فى وجهه دون أن تطرف .. ثم وضعت ماسورة البندقية عند أنفها .. وقالت بصوت مبحوح ..
ـ لقد قتلت الرجل .. الذى استجار بك من الظلام .. أى عار .. شرير .. قاتل ..
ـ أخرسى يا كلبة ..
ـ لقد غرق لك ابن .. وأكلت النار الثانى .. أما الثالث الذى فى بطنى .. فلن تراه .. لن تراه .. لن تراه ..
ـ ستخنقينه .. ؟
ـ لن تراه .. لن أجعله يرى وجه قاتل .. شرير ..
ـ أخرسى ..
وتركها وهو يلوح بيده وخرج ..
برغم كل ما سمعته عنه ولكنها كانت تكذب نفسها وتكذب الناس لم تكن تتصور قط أنه قاتل .. ولكن الآن كيف تخادع نفسها وقد لمست كل شىء ..
تبعته وركزت حواسها ورأته قد أخذ يدور ويهبط المنحدر .. وتناولت البندقية نفسها سريعا ..
وصوبت .. ثم أطلقت النار .. ورأته يتدحرج ثم يسقط فى الوحل .. ولما رفعت عينيها عن الماسورة .. رأت حمامة بيضاء .. تحلق فى الجو ثم رأتها تهبط لأول مرة على سطح الكوخ ..
============================
نشرت القصة فى صحيفة الشعب المصرية فى 9101956 وأعيد نشرها بمجموعة حارس البستان 1961 لمحمود البدوى


>

عودة الابن الضال
مكتبة مصر ط 2000
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ











سيرة محمود البدوى
مكتبة مصر ط 2002
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشر الكتاب فى











